نعيُ الأفراد.. وتجاهلُ الأمة

 

 

 

عائض الأحمد

يقول أحد الجلساء: لم أجد في حياتي أفقرَ من رجلٍ يتقمّص رداء الوعظ، متزييًا بلباس العلم إن كان قد أدركه؛ ثم يقرنه بتحليلٍ سياسيٍّ "عميق"، يستحضر فيه الأرقام، والمواقف، ولحظات العِبر، وإن شئتَ لوَّن طاولةَ طعام "الفُرقاء"، ثم ينهال عليك بزَبَدِه قبل سَيْلِه، فيأخذك إلى حيث يعتقد أنّه سيصل... بينما أمّةٌ كاملةٌ تتداعى خلفه، ولا يلتفت إليها.

يقفُ حيثُ يُقال له: قِف، وينحدرُ فجأةً دون أن يقصد بابًا أو مخرجًا، فلا يبحث عن نجاةٍ بقدر ما يبحث عن كرمةٍ يُعلِّق عليها لسانه كلّما جاع.

ويضيفُ جليسي: أحدُهم، وهم كُثر، يُمارس في الصباح فنَّ "اليوغا"، فتراه بين مدٍّ وخفضٍ وانكسار، في حضرة سيّده، وكأنّ جسده خُلق للطاعة. ثم ينقلبُ في المساء على عقبيه، يقفز من مستنقعٍ إلى آخر، ناشرًا لسانه في كلِّ اتجاه، لا يثبت على موقف، ولا يُقيمُ لفكرةٍ وزنًا... سوى ما يُبقيه قريبًا من المائدة.

وإن سألته يومًا عن هذا التقلّب، قال لك بثقةٍ باردة: "أولم ترَ حالَ الأمة؟" وكأنّ خرابَ الأوطان صار عذرًا جاهزًا لكلِّ ارتزاق، ولكلِّ سقوطٍ يُمارَس باسم النهاية.

وفي غفلةٍ يهرولُ عبثًا، فإن لم يجد زادًا عاد إلى مخبئه، يلعقُ ما تبقّى من صدى صوته، منتظرًا موسمًا آخر يُعيد فيه بيعَ لسانه وصفته بثمنٍ جديد.

حين تتأمل هذا المشهد، تدرك أن البناء لا يشبه الهدم في شيء، وأن من يخلط بينهما إنما يضيع نفسه قبل أن يضلّل غيره؛ فالأمم لا تسقط فقط بأعدائها، بل تسقط أيضًا حين يتحوّل بعض أبنائها إلى شهود زورٍ على الحقيقة، يبيعون الموقف لمن يدفع أكثر، ثم يرفعون راية الحكمة فوق ركام ما ساهموا في هدمه.

لها: الرغبة والوعي ليستا كافيتين لنقول كل ما نشعر به؛ فبعض المشاعر لا يُفسدها الكتمان، بل يحفظها من سوء التعبير.

شيء من ذاته: حين يقول "نعم" وهو مُكره، أو يتظاهر بالرفض وهو راغب، فإن الفرق بين الموقفين ليس في الكلمة، بل في جوهر الإنسان نفسه. فالأمر في النهاية لا يتعلق بما يُقال، بل بمن يقول.

نقد: تستطيع أن تفعل ما تشاء، لكن قبل ذلك: اعرف من أنت جيدًا... فليس كل من تكلّم امتلك المعنى، ولا كل من صمت كان فاقدًا له؛ الصمت هيبةٌ حينما يعلو الصراخ، في حضور الصدق والأمانة.

الأكثر قراءة

z