حمد بن سليمان المعولي
كثر الهجوم على سماحة العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المُفتي العام لسلطنة عمان وازداد في الآونة الأخيرة، بسبب مواقفه التي ينشرها عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعددت الأسباب الدافعة للهجوم عليه، وأهمها موقفه من قضية الأمة الكبرى: الأقصى، واحتلال فلسطين، ودعمه للمُقاومة، وهجومه على الاحتلال الظالم ومن يدعمه، ومناصرته لكل من يواجهه، وموقفه الصارم تجاه المُطبعين والمُخذلين، وتأييده لطوفان الأقصى كونه حقاً لا شك فيه لمجابهة العدوان، وسبيلا لاسترداد المقدسات والأراضي المحتلة، فهذه القضية عنده ليست وجهة نظر قابلة للأخذ والرد؛ بل هي قضية عقيدة.
فهو يؤكد أن المسجد الأقصى أولى القبلتين، ومسرى النبي محمد ﷺ، وثالث الحرمين الشريفين، وأن التفريط بشيء من تلك الأرض المباركة هو تفريط بجزء من عقيدتنا الإسلامية، هذا التأصيل الشرعي جعل من خطابه ذا قوة فائقة ومؤثرة، متجاوزًا الحدود الجغرافية والقومية، مخاطبًا الوجدان الإسلامي في كل مكان.
وقد عُهد الشيخ مجاهدًا بكلمة الحق، يحمل بصدق هموم الأمة الإسلامية جمعاء، غيورا مدافعاً بشراسة عن قضاياها المصيرية، حتى أطلق عليه البعض: مفتي الأمة، في وقت صمتت فيه كثير من المنابر في العالم العربي والإسلامي.
فتجاوز في فتاواه ومواقفه ما رسخه كثير من المفتين والرموز الدينية في غالب البلاد الإسلامية من اقتصار الفتاوى على شؤون العبادات وفقه المعاملات، حتى أن أحد الإعلاميين والنشطاء الصهاينة استشاط غضباً من بيانات الشيخ الخليلي فنشر: "على المفتي أن ينشغل بأمور الدين والعبادات والفتاوى الشرعية، ومسائل الطهارة والوضوء، ولا يتدخل في السياسة الدولية أو شؤون حماس وغزة، لأنَّ السياسة لها أهلها." وفي سياق آخر، استخدم صياغة تهكمية قائلا: "الشيخ الخليلي يتدخل في السياسة أكثر من وزراء الخارجية، يفترض أن يفتي في أمور الفقه فقط."
إلا أنَّ المتابع يدرك جيدا أن صدع الشيخ أحمد الخليلي بالحق، وصدحه بالمواقف الصارمة، هو من صميم قيامه بواجبه الشرعي، ودفاعه عن دينه وأمته، ما جعله في المرمى المباشر لسهام النقد والهجوم الممنهج.
وقد يكون ملف التطبيع هو الفتيل الذي أشعل الهجمات ضد الشيخ بصورة أكبر من أي شيء آخر؛ إذ اتسم موقف الشيخ الخليلي بالصلابة والصرامة، والمُواجهة التي لا تهدأ تجاه موجات التطبيع التي انخرطت فيها بعض الأنظمة العربية، وعدّ الشيخُ التطبيعَ خيانة للدين والأمة، وطعنة في ظهر الشعب الفلسطيني المسلم، وتخاذلا لا يمكن تسويغه، ولا يقبل تبريره.
هذا الهجوم المباشر والصريح واللاذع على "مشروع التطبيع" جعل من الشيخ عدوًا لدودًا لكافة المنظومات العاملة لأجل شرعنة الاحتلال، واختلاق مسوغات وجوده.
كما أن هذه المواقف أحدثت يقظة في الأمة الإسلامية قبل طوفان الأقصى بسنوات، وكان لبياناته صداها بين العرب والمسلمين، وأدت إلى التأثير في الرأي العام، وتنبيه الضمائر لنجدة الأقصى والأرض المباركة، وكانت الاستجابة كبيرة وواسعة النطاق، خيّبت مساعي القائمين على التطبيع وتلميع الاحتلال، وتأثر مشروعهم وتصدعت أركانه.
ومع انطلاق "طوفان الأقصى" فيما عرف بهجوم السابع من أكتوبر، كان سماحة الشيخ أحمد الخليلي في طليعة العلماء الذين أصدروا البيانات المؤيدة بوضوح وصراحة، مؤازرًا هذه العملية كونها حقًّا لا شك فيه لمجابهة العدوان، وسبيلا لاسترداد المقدسات والأراضي المحتلة.
وموقفه الحاسم هذا قطع الطريق على محاولات تجريم المقاومة من الناحية الشرعية، وعزز مواقف المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني.
وتسببت مواقف الشيخ أحمد الخليلي القوية في شن حملات ضده لا تتوقف، ويبدو جليًّا أن الكثير من هؤلاء مجندون في هذه الحملات، وموظفون يستخدمون لأجل إسكات الأصوات الداعية لمقاومته وكنسه من الأرض المباركة، وتخليص الأقصى والمقدسات من قبضته.
تناغم الموقف العماني
وتأتي مواقف سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مبرزة صورة تكامل الموقف العُماني تجاه القضية الفلسطينية، ورفض التطبيع مع الكيان الغاصب، في تناغم ثلاثي الأبعاد، بين توجه رسمي، وخطاب ديني، ونبض شعبي، في نسيج نادر.
فعلى الصعيد الرسمي يُثبت النهج العُماني مبادئ الحق والعدالة، ومجانبة ازدواجية المعايير، وحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ورفض العدوان على الشعوب ونهب أراضيهم وسلب حقوقهم، بصوت متزن له حضوره في المحافل الدولية، في ثبات وخط راسخ. وتأتي مواقف سماحة المفتي العام ليمنح هذا الموقف البُعد العقدي والخلقي الصلب، مرسخًا مكانة الأقصى في وجدان الأمة الإسلامية، بكل جرأة ووضوح في بيان كلمة الحق، وهذا التناغم يجد مرتكزه الأصيل في وعي الشعب العُماني، الذي يقف صفًا واحدًا خلف هذه الرؤية، مُعبرًا عن الرفض القاطع لكل أشكال التطبيع، لتظل قضية الأقصى وفلسطين قضية مركزية في سلطنة عُمان، وفق المبدأً السياسي، والواجب الديني، والوعي الشعبي.
هذا التناغم أثار حراك البعض، بصورة موجَّهة، لم يكن عفويا أو وليد الصدفة كما يتجلى لكل مُتابع واعٍ، حراك تتعدد دوافعه وخلفياته، مع التقائها عند هدف موحد، وهو إسكات هذا الصوت الهادر، والتقليل من تأثيره المتصاعد على الرأي العام العربي والإسلامي.
أثر في اليقظة
لا يخفى على المتابع ما يحظى به سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي من مكانة علمية رفيعة، لما يتسم به من أخلاق سامية نزيهة، جعلت مواقفه تحوز على اهتمام واسع في الرأي العام العربي والإسلامي، حيث أسهمت آراؤه في قضايا الأمة أثرا طيبا في تشكيل وعي جمعي، تجلى في تنبيه الضمائر الحية، وتوجيه بوصلة الشعوب الإسلامية نحو مركزية قضية الأقصى والقدس وفلسطين، وتفعيل سلاح المقاطعة للشركات والمنتجات الداعمة للاحتلال الغاشم، وعده جهادًا بالمال، والحث على دعم صمود الشعب الفلسطيني ورباطه بالبذل والإنفاق، باعتباره واجبًا شرعيًا لا يعذر المسلمون في تركه، وكانت أسرته الكريمة في طليعة الملبين لهذا النداء، حتى أن بعض أحفاده جعلوا وليمة عرسهم في غزة، مع أن الزواج المبارك كان في مسقط، في مبادرة لافتة تركت أثرها الطيب في النفوس.
من وسائل المهاجمين للشيخ الخليلي
أمام تأثير الشيخ الخليلي الجارف، تحركت آلات التشويه والتشويش والتضليل المضادة، عبر حملات منظمة إلكترونية وإعلامية، تتسم بالشراسة الشديدة، شراسة الحانق على من بدد أحلامه، وجعل مساعيه خائبة، ومشروعه مهتزا وغير مقبول، وتلحظ حملاتهم بجلاء عبر مشاركاتهم بالردود في حسابات الشيخ مباشرة فور صدور أي بيان منه، أو عبر النشر في مواقع وصحف ومنصات محددة.
كما نلحظ اتخاذ هذه الحملات أساليب متعددة للالتفاف على مواقف الشيخ، وصرف الناس عنه، ومنها الذكر المباشر لاسم الشيخ، ومنها ما يعتمد على اللمز والغمز تجنبًا لذكر اسم الشيخ صراحة، خوفًا من التعاطف الجارف معه، ومنها يلحظ عبر الرد الآلي والمنظم، وهو ما يُعرف بالذباب أو الجيوش الإلكترونية، والحسابات الوهمية، المجندة والموجهة التي تعمل بانتظام لتوجيه الرأي العام.
وتثبت هذه الحملات المستميتة أن غالبها قائم على عمل مؤسسي، تشرف عليه وتديره وتوجهه جهات متضررة من مثل هذا الخطاب، وليس ناتجًا عن قناعات فردية.
من مرتكزات الخطاب المضاد
حينما تجلى إفلاس أعداء الشيخ عن مقارعة الحجة بالحجة، وعجز المخالفين له عن دحض براهينه الشرعية والواقعية المتصلة بقضية الأقصى وفلسطين والمقاومة؛ لجأوا إلى نبش تفاصيل هامشية، ظانين بحماقتهم أن ذلك سيفضي إلى التقليل من شأنه، وصرف الأنظار عنه، ومن بين أساليبهم في ذلك الورقة المذهبية، التي يشهرها المهاجمون فور صدور بيان للشيخ الخليلي، فهم يعلمون أثرها، وما أحدثته عبر تاريخ هذه الأمة، من تأجيج الانقسام الاجتماعي، وتغذية التعصب والتحيز.
ومما يركزون عليه في خطابهم المضاد جانب الانفصال عن الواقع المحلي، حيث نجدهم يستغلون بعض الظروف المحلية للتوظيف العاطفي، مدعين أن اهتمام سماحة الشيخ بقضايا الأمة -وفي طليعتها قضية الأقصى والمقاومة- يأتي على حساب اهتمامه بهموم المجتمع العماني وقضاياه الداخلية.
وهو طرح في هاوية سحيقة عن الحقيقة، فإن اهتمام سماحة الشيخ بالداخل العماني لم يقف عند حدود توجيهه وإرشاده؛ إنما هو مترجم إلى مسعى ديمومة العمل، يتجلى بإنجاز مؤسسي منظم؛ فسماحته بادر إلى إنشاء "مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية"، كي تعنى بغايات سامية قياما بالواجب وردا للجميل، وشعورا بضرورة التكامل بين المجتمع والمؤسسات الحكومية.
والمؤسسة مظلة إنسانية واجتماعية رائدة، قائمة على مبدأ "وتعاونوا على البر والتقوى" غايتها خدمة المجتمع العماني، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وتوجيه ريع الوقف لدعم القضايا التعليمية والإنسانية والصحية، ومساندة المحتاجين.
والمجتمع العماني منذ عرف الشيخ عهده غير منفصل عن هموم الناس فيه وتطلعاتهم، ومما يشهد له -إضافة لما سبق- ما سطره في مؤلفاته القيمة، فضلا عن بياناته الكثيرة، والتي تؤصّل بمجملها ما يتحلى به من المسؤولية الوطنية والاجتماعية، وفي مقدمتها كتابه الشهير "مسؤولية الشعب العماني في الحفاظ على وحدته"، والذي يمثل وثيقة فكرية تربط بين أمن المجتمع، واستقراره المعيشي والاجتماعي، وأمانة الحفاظ عليه، وصون وحدته. كما لا تخفى مواقفه المتواصلة وفتاواه المستمرة الداعمة للمبادرات المجتمعية، مع حثه للميسورين على كفالة المعسرين، وسداد ديون الغارمين، والتأكيد على أمانة المسؤولية في استيعاب طاقات الشباب واغتنامها، وتذليل سبل العيش الكريم، وحفظ حقوق العاملين.
إن خطاب سماحته ينطلق من رؤية الأمة كالجسد الواحد، فلا تعارض بين نصرة المظلومين في الخارج، والعناية بالشأن الداخلي.
وشاهد الحال يؤكد بجلاء أنه كان ولا يزال في قلب هموم الشارع العماني، فيده التي تمتد بالبناء والتكافل للإسهام في رعاية هذا المجتمع، هي اليد ذاتها التي يُسطّر بها مواقف النصرة للأقصى والمقاومة؛ ويكتب بحبر إخلاصه في قضايا الأمة المختلفة، فالوفاء للوطن والوفاء للأمة لدى سماحة الشيخ الخليلي لا يفترقان، فهما يصدران عن منطلق إيماني واحد.
محركات الاستهداف
لا تخفى الدلالات الجلية على المتابعين وهم يلاحظون هذا الزخم الإعلامي والهجوم الشرس والمتواصل على الشيخ الخليلي، ومن يقف وراءه، ويتفاعل معه، أو يفرح به، ومآل ذلك عائد بما يخالف مخططاتهم، ويناقض غاية تدبيرهم، من حيث لا يشعر أولئك المهاجمون، ففيه شهادة على قوة تأثيره وعالمية خطابه، كما يؤكد ارتباط المهاجمين بمشروع التطبيع وشرعنة الاحتلال.
أخيرًا
لقد أثبت سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أنه يمثل ضمير الأمة الإسلامية جمعاء، بمواقفه الثابتة التي لا تتبدل، ولا تتغير بتبدل الظروف السياسية وتغيرها، وأثبت الواقع أن ما يشنه المغرضون والمحرَّكون بالمال، من حملات شعواء عبر مطابخ إعلام موجّه، وذباب إلكتروني مجند، وحسابات وهمية مدفوعة؛ لم يكن لها أثر يستحق الذكر، وانقلبت عليهم حسرة، فما زادت الشيخ إلا قبولا ومحبة في قلوب المسلمين في مختلف أنحاء الأرض، كما أدت إلى تضاعف انتشار بياناته وكلماته الصادقة.
إن الشعوب العربية والإسلامية واعية بهذه اللعبة، وأصبح الناس يميزون بوضوح بين عالم رباني مخلص، صدق ما عاهد الله عليه نصرةً للأقصى والمقدسات والحقوق، وبين تلك الأبواق المأجورة والمسعورة، التي تلهث لتثبيت عروش البغي والعدوان، أو تسويق الأوهام الزائفة، على حساب التضحيات الجسام في سبيل حق مشروع.
إن المحاولات العبثية للتشويه عبر مختلف السبل تعكس ذلك الإفلاس الخلقي والفكري الذي عليه القوم، ممن يقفون وراء مشروع التطبيع مع المحتل الظالم.
وستبقى المواقف الحرة للعالم الجليل الشيخ أحمد بن حمد الخليلي محفورة في الذاكرة التاريخية للأمة الإسلامية، كونه عالمًا حرًّا شجاعًا، وفيًّا لمبادئه، شامخًا بقيمه، محبًا لأمته، مخلصًا في دفاعه عن حقوقها، ماضيًا في الحق وبالحق، غير هيّاب ولا وجل، أما مصير تلك الحملات الممنهجة ومن يمولها ويدعمها ففي مزابل التاريخ بلا أدنى شك، ويبقى الأقصى قضية عقيدة، وتبقى المقاومة قضية الشرفاء لا غيرهم، ويبقى صوت الحق أقوى من أبواق التخذيل، بعزة الله.
