العصف

 

 

عائض الأحمد

من بعيد، تلوح بقعةُ ضوء. لم تكن واضحة تمامًا، لكنها كافية لأن تُغري القلب بالمضيّ. كلما اقترب منها، ابتعدت قليلًا، وكأنها تختبر صدق الساعي لا قدرته. فيُسرِع الخطى؛ فالخوف من الأفول صار أثقل من التعب.

ينام ويصحو، وتلك البقعة لا تفارقه. تستيقظ وتغفو معه، حتى يصبح السير عادة، والتوقّف خيانة لفكرة لم تكتمل، ولو لم يبلغها بقدميه مرة واحدة.

يمضي العمر وهو يسير، لا يلتفت كثيرًا، ولا يسأل عمّن سبقه أو تعثّر قبله. والأسوأ من ذلك كله، ألّا أحد يلتفت إليه. لا ناصح من أقرانه يضع يده على كتفه ويقول: تمهّل، أو يعترف له بأن الطريق ليس كما يبدو من بعيد.

في هذا الصمت الجماعي، لا يهلك الإنسان دفعة واحدة، بل يُستنزف ببطء؛ خطوة بعد أخرى، ووهمًا بعد وهم، حتى يصبح المسير هو الغاية، لا الضوء الذي بدأ به الحلم.

كمن كُبّلت قدماه، وحلف ألّا يتزحزح حتى يرى تلك البقعة، أو يموت كمدًا في غفلة، بعيدًا عن أعين الناس.

ربما لهذا، قالت لي والدتي في صغري:

ستموت وحيدًا، لكنك أجمل من كل هؤلاء.

لم ترني يومًا أعبث، ولا أسخط. كان صمتي غريبًا، وكان حديثي يحمل كلَّ شيء. وكأنها رأت مبكرًا ما لم أكن أجرؤ على الاعتراف به: أن الوحدة لم تكن خيارًا، بل نتيجة طبيعية لطريق اخترته.

العصف الحقيقي ليس في الريح، بل في هذا السعي الأعمى؛ حين يمضي العمر كله نطارد بقعة ضوء، دون أن نسأل: أتهدينا أم تستدرجنا؟ ودون أن نجرؤ على التوقّف.

العصف لم يكن مجرد لحظة، كان يمارس سلطته عليّ منذ أكثر من أربعين سنة، يعصف بي وبمشاعري، ويختبر صبري، ويعيد ترتيب كل ما أحببت.

كان يمرّ بي، ويترك أثره العميق، حتى خُيّل إليّ أنني في نهايته امتدادٌ له، وأن مكانه في داخلي أصبح كلَّ ما أتنفسه؛ يقتلع ذاكرتي، ويبعثر قلبي، ويسرق طمأنينتي، حتى لم يبقَ فيَّ ما يشبهني.

لها:

كلما مددتُ يديّ، أعادتهما مغلولتين، مكسورتين، إلى عنقي.

ولم أسأل: لماذا… وهذا ما أخجل منه الآن.

شيءٌ من ذاته:

تتقمّص أسوأ ما فيك، وتعيده في لحظات انكسارك، وكأنها تتلذّذ بصخب الحياة على تساقط ما بقي من محصول العام؛ ذاك الذي أكلته الطيور، فلم يبقَ منه غير ما عفت عنه الأرواح، وعافته الأنفس، لا يُشبع ولا يُقنع.

نقد:

تتباهى بما تشاهده، وتسوّق لما يفعله الآخرون، وتُقسم بأنها صانعة المستحيل. ثم تعود أدراجها:

أين كنتم حين وقعتُ… وأنتم تنظرون.

الأكثر قراءة

z