عائض الأحمد
في منزلٍ يعجّ بالناس، قد لا تكون الوحدة دائمًا غيابًا عنهم؛ بل ربما تكون حضورًا بينهم بلا امتدادٍ يعني شيئًا. كأن لكلّ واحدٍ مساحةً كاملة في المكان، بينما تُختصر أنت في ركنٍ صغير، تمارس فيه حديثك مع نفسك بصوتٍ لا يصل إلى أحد. ومتى يصبح الإنسان وحيدًا حقًا: حين يُسمَع أم حين يُفهَم؟
في إحدى زياراتنا لمستشفى الأمراض النفسية، وبينما كنا نتحدث في ممر طويل، حيث تمتزج الأفكار بحمل ثقيل، كنا نحمد الله أن منّ علينا بنعمة "الكمال"… إذ بأحدهم يستوقفنا.
كان يقف عند زاوية اختارها بعناية، يراقب المارّين كأنه يحفظ ملامحهم لا وجوههم. اقترب منا بخطواتٍ بطيئة، ثم أخذ يعرّف بنفسه، والغريب أنه كان يدّعي معرفتنا من قبل. قال إنه أحد "القوالب" التي رُسمت دون عناية، لتأخذ ما كان عليه "صديقنا".
في تلك اللحظة، مرّت ممرضة تدفع سريرًا معدنيًا، احتكّت عجلته بالباب فأصدر صوتًا حادًا، كأنه يقطع الجملة قبل اكتمالها. التفت الرجل نحوه، ثم أكمل… وكأن كل ما حوله لا يعنيه.
ثم بدأ يبث شكواه دون أن نسأله، وكأن حضوره اعترافٌ مسبقٌ لا حوارٌ محتمل. قال إن من جاء به وضعه في مشهدٍ خاص، وأسقط عليه مقاييسه هو، ثم أصدر حكمًا بأنه يحتاج إلى عناية طبية ونفسية، لأنه خرق قواعد الأسرة والمجتمع.
كان يتكلم، وخلفه نافذة نصف مفتوحة، تتسلل منها الشمس بكسل، ترسم على الأرض مربعات ضوء تشبه أقفاصًا شفافة.
ثم قال، والدهشة لا تفارقه، وهو ينظر إلى الممر الذي يتكرر فيه العبور بلا توقف:
أنا أرثي لحالهم، وأصدقكم القول إنني هنا أكثر راحةً وخلوة. فقد أنجزت خلال الشهر الماضي مسودة كتابي القادم. فماذا لو كنت في مجالسهم؟ لكانت النميمة تتصدر ديوانهم.
سكت قليلًا، ثم أضاف، وهو ينظر إلى السقف كأنه يبحث عن فكرة لا عن إجابة:
«هنا، على الأقل، لا أحد يلبسك قالبًا ليس لك… ولا أحد يصرّ على أن يشبهك بما يتخيله عنك».
وفي الزحام، تبدو الفوضى واسعة بما يكفي للجميع… لكنها لا تتسع إلا لما يُراد لها أن تُشبهه، لا كما هو فعلًا. فالوجوه لا تُرى كما هي، بل كما استقرّ شكلها في ذهن من ينظر.
وفي كل مرة يُظن فيها أن الدرس قد فُهم، يُعاد ترتيب الوجوه في الذاكرة ذاتها… كأنها لا تخرج من إطارٍ واحد، مهما تغيّرت ملامحها. ويبقى الإنسان أوسع من القالب، لكنه أبسط من أن يُرى خارج حدوده.
فأكثر ما يُضلّل الإنسان عن الحقيقة أنه لا يرى الناس كما هم، بل كما يحبهم أو يكرههم. فالمحبة تضع على العيوب ستارًا من الضوء، والكراهية تُلقي على المحاسن ظلًا كثيفًا، وما بين الضوء والظل تضيع الحقيقة.
لها: لم يعد الكمال فعلًا أو قولًا… افعل ما تشاء، وأتِني بقلبك فقط.
شيء من ذاته: أينما أشعر بالألم… سأقف.
نقد: ويبقى لكل إنسان أثرٌ مختلف في عيون الآخرين: محبةٌ تُبالغ في التجميل، وكراهيةٌ تُبالغ في التشويه.
