عائض الأحمد
"من يريد الانتقام فعليه بحفر قبرين"، هكذا قيل.
فماذا عمّن سُلِبت إرادته حبًّا وهيامًا؟
أَيحفر قبره بيديه، أم يقهر قلبه، أم يستغيث من نفسه لنفسه؟ فما أقسى أن يكون خصمك ساكنًا بين أضلعك، وأن يكون المنتقم والضحية شخصًا واحدًا.
حينها لا يكون الانتقام إلا قبرًا ثالثًا، يُوارى فيه ما تبقّى من القلب. ولن تعلّمك الأيام صبرًا، ولن يتلطّف بك القدر، وأنت تهب عمرك لمن لا يرى في عطائك إلا أمرًا عابرًا؛ فبعض القلوب لا يرهقها الفقد بقدر ما يرهقها استمرار البذل في غير موضعه.
كلما طال الانتظار، ستخذلُك حساباتك، وتدرك أن الرجاء لا يُقاس بما تمنح، ولا بما تضحي. فكم من بخيلٍ أتعبك انتظار عطائه، وكم من متعبِّدٍ لم يغادر صومعته، تندَّر وسخر من حاجتك.
وكأنك جئت تطلب أمرًا من أمور الدنيا، لا دعوةً صادقةً أو كلمةً رحيمة.
فإن لم تهبك الرحمة ممن ظننت فيهم خيرًا، فلا تجعل قسوة الناس سببًا في قسوة قلبك؛ فبعض الخيبات تُعلّمنا أن نستعين بالله وحده، لا أن ندفن ما تبقّى فينا من إنسانية.
كانت تقول لي: الشروع في وجدانك، والاتكاء على كتفك، ثم المضي معًا؛ فإمّا أن نبقى سويًّا، أو نرحل إلى هناك حيث كنّا نحلم.
ثم رحلت وحدها... وبقيتُ أنا بين قبورٍ ثلاثة؛ قبرٍ دفنتُ فيه انتقامي، وقبرٍ دفنتُ فيه انتظاري، وقبرٍ ثالثٍ ما زلتُ أدفن فيه كلَّ يومٍ ما تبقّى من ذلك الحلم.
أدركتُ متأخرًا أن بعض الأحلام لا تموت حين نفقدها، بل حين نستمر في دفنها كلَّ يومٍ بأيدينا.
لها: لم أغادر محيطك يومًا، وما زال المشهد يتكرّر كلَّ يومٍ على ذات المسرح.
شيءٌ من ذاته: كان سقفُ أحلامك أعلى من أن تلامسه يدٌ قصيرة، فلا تُلقِ لومك على حجرٍ أصمَّ أبكم.
نقد: تُكثر من افتداء روحك، حتى كأنك تقول: لم يعد فيَّ روحٌ أهبها لأحد.
