الرويغ العالي (2)

 

سالم بن محمد بن أحمد العبري

كما أشرنا سابقاً إلى أن (الخواطر) و(الهطاطلة) وبعض (العَبريين) وخصوصا بمنطقة (النخر) و(واديها) وامتداد شرفة وادي النخر وصولًا إلى ولاية (الحمراء) كان الصيد أحد مجالاتهم ونشاطهم وكان (وادي النخر) هو الفاصل بين العبريين والخواطر فمنه غربا حرم ومرافق للخواطر، ومنه شرقا للعبريين وخاصة لفرقة (عمران)، وكانوا قوم نشاط متشابه في الرعي والصيد والزراعة والغزل والنسيج، وتميز رجال النخر بحرفة النجارة وخصوصا بصحبة آبائنا في فترة الصبا وكان (علي بن خميس) أكثرهم شهرةً. قال عنه العلامة إبراهيم بن سعيد العبري: (علي بن خميس الشهم صانعه/ من آل عبرة نجَّارًا غدا مثلا).

إذ قد صنع باب البيت الحديث للعلَّامة إبراهيم بن سعيد الذي بناه مطلع الثمانينيات من القرن الهجري الماضي وستينيات القرن الميلادي الماضي أيضا، ولكنه لم يكن يتقن النقش لحروف النثر أو الشعر؛ لذلك فلم تدم طويلا تلك الأبيات التى أرَّخ بها العلامة تاريخ البناء وصناعة الباب.

ويمكن القول: إن الخواطر وأولئك العبريين كانوا كأنهم ولدوا للبندقية وحرفة الصيد؛ لذلك لا غرابة أن ينبغ منهم ومن أحفادهم ذوو الرماية ويفوزون في المسابقات الدولية في ظل رعاية من القوات المسلحة وأفرعها، وكان مسعود بن خلوف وولده سالم الشهير بـ(سويلم) من ذوي الشهرة في الصيد والرماية و سار أحفادهما على نفس التنشئة كأن البندقية صنعت لهم بل صُنعوا لها وبرعوا في صناعة المقذوفات النارية التى يستخدمونها في الصيد من خلال معرفة المواد اللازمة، ثم استجلابها وتهيئتها للعمل؛ لذلك كان كل بيت يضم هذه المفردات والأدوات:(الطاسة) لصهر الرصاص و(قالب تشكيل المقذوفات/ الطلقات)، و(الشورة) و(الفحم) الذى يستخرج من (شجر الشخر) الذى ينبت قرب مجاري الأودية والمياه.

وكان أبي- رحمه الله- يحتفظ بتلك الوحدات وأدوات صنع الطلقات، وكأنه من الخواطر والهطاطلة، لكن اهتمامه وحرصه كان يجعله يقتني مثل هذه الأدوات إلى جانب النجارة والشمارة والخياطة؛ فكان يرقع دشداشته (جلبابه) ويخصف نعله بنفسه فلديه (الإبرة) و(المخرز) و(المبرد) و(المسلة)، وكان في سفره يحمل أدوات القهوة مثل المقلاة والمحماس والمطحنة، وكانت لديه مطحنة نحاسية على شكل كوب منقوش، وفي السفرات الطويلة يصطحب أدوات طهو الطعام الضرورية.

وكان مشاهير الصيادين إلى جانب من ذُكر (سعيد بن على الخاطري)، ومن مشاهير الخواطر كبيرهم وكريمهم ومراجعهم (عمير بن مبارك) وكان ذا شهرة في الكرم والفحولة والتقدم وعمَّر إلى ما فوق 100 عام، ثم أُصيب بثقل السمع فكان العلامة إبراهيم العبري يرفع الصوت عاليا حين يكلمه أو حتى يبلغه حين نجتمع معاً في مجلس العلامة أو في المجالس العامة. ومن مشاهيرهم أيضا (مسعود بن حسن الخاطري) وهو القاريء والإمام والخطيب بالأعياد، وكان بصحبة أبي- رحمهما الله- أكثر فهما وتظارفا فيما بينهما، وذات يوم قدِمَ الأباء على رأسهم الوالد الشيخ عبدالله بن مهنا وربما كنا معهم شبابا، وكانت غاية شكوى الخواطر من تلوث الفلج من أعلى (قرية الحاجر) التي هي للعبريين من (الشرامحة) وأنّ سبب تلوث الفلج يرجع لاستخدام الصابون في الاستحمام والغسيل من الأهالي.

وكان (الغداء) مع الخواطر في (الظُّويهر)، فلما قمنا بغسل أيدينا بعد الأكل في (الصفاري) فصرخ مسعود بن حسن الخاطري موجها كلامه لأبي جادا وممازحًا (الشيخ محمد) سائلًا: ما الحكم؟ فأجابه والدي: (طعامكم يغلي في بطوننا) فاستظرف الجمع الجواب على سؤاله.

وكنا ذات مساء في جلسة بعيد الغروب وصلينا العشاء مع الأصحاب والأصدقاء في مصيفهم بـ(النطالة) وقد هممنا أن نعود للبيوت في الحارة فقال والدي لـ(سويلم): اذهب غدا للسيح، فقد تأتي لنا بصيدٍ. يقول سويلم: صليت الفجر وأخذت (تفقي = بندقيتي) وأخذت خطوات أصعد الحبل ثم أهبط إلى الوادى ما بين (برج الشريعة) و(مصلى العيد) ولم تكد تستقر قدمي في أول الوادي حتى أرى أمامي شاة ظبي واقفة وكأنها رُبطت بموقعها فرميتها بطلقة من الطلقات التى جهزتها بالأمس، ثم زكيتها وحملتها إلى حيث إقامتهم بـ(النطالة). والفلج يحفهم، فسلخها وقطعها، وقسمها لهم ولمحيطهم ولم تكد تكمل الشمس شروقها على حارتنا إلا وسويلم يطرق باب بيت المغري حاملا ما قسمه لنا من لحم يميل إلى الحمرة الداكنة بما يُوحي بأنها ظبية كبيرة السن وغير ذات شحم؛ لكن بيت المغري والرويغ العالي في مصيفه قد تغدوا أو قد تعشوا بحلم الصيد.

وإلى لقاء آخر مع رحلات صيد أخرى بعون الله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z