"الدختر طومس".. من الذاكرة العُمانية إلى اللغة البصرية

 

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

 

في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتتناقص فيه الحكايات العميقة، يجيء الفيلم الوثائقي "الدختر طومس" لأحياء الذاكرة الاجتماعية العمانية كعملٍ ثقافيٍ وإنسانيٍ يعيد للذاكرة العُمانية قدرتها على البقاء، ويمنح التاريخ صوتًا بصريًا جديدًا، تتعانق فيه الحكاية الإنسانية مع التحولات الاجتماعية والصحية التي شهدتها سلطنة عُمان عبر العقود الماضية.

وزارة الإعلام قدّمت هذا العمل ضمن رؤيتها الرامية إلى توثيق التاريخ الاجتماعي العُماني الحديث بلغة سينمائية معاصرة، تُخاطب الأجيال الجديدة دون أن تفقد أصالة السرد وعمقه. فالفيلم لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يعيد بناء الزمن العُماني بصريًا، مستندًا إلى الوثيقة، والذاكرة الشفوية، والمعالجة الفنية التي تمزج بين الصورة الأرشيفية والمشهد الدرامي والاستعادة الإنسانية للمكان والإنسان.

ويتناول الفيلم سيرة الطبيب الأمريكي ويلز توماس، المعروف في عُمان باسم "الدختر طومس"، الذي ارتبط اسمه بالخدمة الطبية والعمل الإنساني، في مرحلة كانت فيها الخدمات الصحية محدودة، وكانت الحاجة إلى الرعاية والعلاج تمثل تحديًا يوميًا لكثير من المجتمعات المحلية. ومن خلال هذه السيرة، لا يروي الفيلم قصة فرد فحسب، بل يفتح نافذة واسعة على ملامح عُمان الاجتماعية والصحية في تلك المرحلة، وعلى قيم الرحمة والتعايش والعطاء التي شكّلت جانبًا مهمًا من الذاكرة الوطنية.

ويُبرِز الفيلم الدور الحيوي الذي تضطلع به وزارة الإعلام في صناعة الوثائقيات الوطنية ذات البعد الثقافي والتاريخي، حيث باتت الصورة اليوم إحدى أهم أدوات حفظ الوعي الجمعي، ونقل التجارب الإنسانية للأجيال القادمة. وقد بدا واضحًا في العمل حجم العناية بالإنتاج البصري، والبحث التاريخي، والاشتغال الفني الذي منح الفيلم بعدًا يتجاوز التوثيق التقليدي إلى فضاء السرد السينمائي المؤثر.

كما يمكن ملاحظة الأهمية التي مثّلتها المؤسسات الوطنية في دعم هذا المشروع، وفي مقدمتها وزارة الصحة، التي يُرجّح أنها أسهمت في توفير بعض المواد والمعلومات التاريخية المرتبطة بالجانب الصحي والطبي، إلى جانب التسهيلات التي تعزز من حضور الذاكرة الصحية العُمانية داخل هذا العمل الوثائقي.

إنَّ "الدختر طومس" ليس مجرد فيلم عن طبيبٍ عابرٍ في التاريخ، بل هو عمل يستعيد مرحلة كاملة من التحولات الإنسانية في عُمان، ويؤكد أن السينما الوثائقية قادرة على أن تكون جسرًا بين التاريخ والوجدان، وبين الإنسان وذاكرته. ومن هنا تتجلّى قيمة هذا العمل بوصفه مشروعًا ثقافيًا وطنيًا يُعيد تقديم التاريخ العُماني بلغة الفن، ويحفظ تفاصيله من الغياب والنسيان.

** شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z