"الدختر طومس" والذاكرة العُمانية

 

 

 

د. سليمان بن عمير المحذوري

abualazher@gmail.com

بتاريخ 19 مايو 2026، نظّم النادي الثقافي جلسة حوارية بعنوان "من الطبيب توماس إلى التعايش". المشاركون في هذه الندوة سلطوا الضوء على جوانب تاريخية مهمة لا سيَّما تلك المتعلقة ببواكير الخدمات الصحية في عُمان خلال النصف الأول من القرن العشرين. وكما هو معلوم لم تكن في عُمان خدمات طبية بالمعنى المعروف قبل عام 1970؛ بيد أنّ الإرسالية العربية الأمريكية في مسقط ومنذ تأسيسها في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان لها إسهام في تقديم خدمات تعليمية وطبية للسكان المحليين.

ولعل الذاكرة العُمانية ما زالت تحتفظ بذكريات عن العلاج في مطرح، وبشكل خاص عن الطبيب الأمريكي توماس أو "الدختر طوماس" كما أطلق عليه العُمانيون، وحتى اليوم هنالك شهود أحياء عاصروا تلك الحقبة، وعملوا جنبًا إلى جنب مع هذا الطبيب في مستشفى الإرسالية الأمريكية، والذي عُرف لاحقًا بمستشفى الرحمة. الدكتور ويلز توماس ولد في البحرين، وتخرج طبيبًا من جامعة أمريكية، وعاد إلى عُمان مقتفيًا خطى والده الطبيب شارون توماس، وكان له حضور لافت في عُمان منذ عام 1939م ولمدة أربعة عقود متواصلة.

ومن جميل الصدف، أن وزارة الإعلام دشّنت في 20 مايو 2026 فلمًا وثائقيًا وبإخراج رائع يتناول سيرة حياة الدختر طومس؛ الشخصية الأجنبية التي تركت أثرًا بارزًا اجتماعيًا وإنسانيًا في عُمان. ولا شكّ أنّنا بحاجة إلى هكذا ندوات تخصصية، وأفلام وثائقية تلقي الضوء على ملفات تاريخية منسية مثل التاريخ الاجتماعي والثقافي خاصة في ظل محدودية الدراسات الأكاديمية والبحثية التي تُعنى بالجوانب الاجتماعية على وجه الخصوص. وبصرف النظر عن أي تحفظات يُمثل هذا التاريخ ذاكرة الشعوب، ومرآة تعكس العادات والتقاليد، وتطور المجتمع والتحولات فيه، وكيف تشكّلت الهوية الوطنية على مدار حقب تاريخية متوالية. وكما يقولون ليس من رأى كمن سمع؛ فقد كنت من بين المدعوين لحضور تدشين هذا الفلم، وعقب نهاية العرض أدليت بتعليق نشرته وكالة الأنباء العُمانية حول أهمية الفلم في حفظ إرث تاريخي مهم، وتوثيق صورة جميلة للتعايش في عُمان وقبول الآخر.

وإجمالًا أستطيع القول إنّ العمل كان احترافيًا جسّد قصة حقيقية لهذا الطبيب، وقدّم صورة بصرية سينمائية جذّابة من خلال حضور شخصيات أكاديمية وأخرى ذات صلة مباشرة بالطبيب سواء من أفراد أسرته أو ممن عملوا معه؛ فيما كانت الصور والوثائق داعمًا لتكاملية العمل، والخروج برؤية واضحة ومركزة للمشاهد.

وحسنًا فعلت وزارة الإعلام بتبني مشروع إنتاج سلسلة أفلام وثائقية حول تاريخ عُمان العظيم بمختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال إبراز نماذج حضارية مهمة كأرضية صلبة، وأساس متين لمواصلة أجيال عُمان حمل الراية من أجل بناء حاضر ومستقبل عُمان. وفي هذا المقام ربما من المناسب الالتفات للتاريخ البحري العُماني العريق بكل ما يحمله من تفاصيل وقصص إنسانية وحضاريّة شكّلت هوية عُمان منذ القدم وإلى يومنا هذا.

الأكثر قراءة

z