مُزنة المسافر
صوت أم كلثوم يصدح من مذياع في مقهى الزقاق، انطلق صوتها، ووصل للسامعين المتوزعين على الكراسي أمام الطاولات بشكل عشوائي، بعضهم تاه في كلمات الأغنية، وبعضهم اشتاق شوقًا ليس فيه رجعة، فغنَّت "أمل حياتي يا أحلى غنوة".
يا أحلى غنوة سمعها قلبي ولا تتنسيش…
خد عمري كله، بس النهاردة خليني أعيش.
خليني جنبك خليني، في حضن قلبك خليني.
وسيبني أحلم.
من يقدر على الحلم في هذا اليوم المجنون؟ يوم تعجرف فيه مجدي صاحب مسرح الماريونيت، وجاء للعمارة ليحاسب دلولة وشربات على عرض الأمس الذي يعتبره عرضًا غير مرضٍ بالنسبة له، جاء مجدي بسترة سوداء، ونظارة تُظلم الأشياء، ودخن سيجارة وهو واقف أمام باب الشقة في الطابق الخامس.
قرع الباب قرعًا قويًا، لأنَّ الجرس لا يعمل.
وهنا فتحت شربات الباب أمام مجدي.
مجدي: فين معبودة الجماهير يا شربات؟
شربات: مجدي بيه، نورت الحتة!
مجدي: إندَهي دلولة أوام، عايزها بسرعة.
شربات: عينيا يا بيه.
كانت دلولة تؤدي في الغرفة الضيقة، وصلة رقص تُقلِّد فيها سامية جمال، تحركت، تمايلت، لكن مزاجها الحلو تبدل حين سمعت صوت مجدي وهو موجود في المكان، خرجت لتُرحب به.
دلولة: يا أهلًا وسهلًا يا مجدي بيه.
مجدي: بقولك إيه يا دلولة، تجي معايا نشرب كركديه؟
دلولة: ده بيجيب هبوط يا بيه!
مجدي: وعرضكو إمبارح ما كانش فيه أي هبوط؟
دلولة: ده اسمه فن يا مجدي بيه.
مجدي: فن؟ خلاص فن! بيعجبني فيكي إنك ما بتخافيش مني.
صمتت دلولة، لم تعلق على تأثر مجدي بكلماتها، شرحت له أن الجمهور بكى بعد العرض لأنه تأثر كثيرًا، وليس لأنه تضايق من الفكرة، كانت تؤدي العرض بقلبها المرهف أسفل تلك الأضواء، وأحبت الجمهور كما أحبها، وتمنت أن تعطيهم قلبها، لكنها تذكرت أن قلبها يخص الأراجوز وحده فقط.
بينما الأراجوز يراجع نص مسرحية جديدة، وضعها عمي رجب للدمى قبل أن يخرج.
وهنا تبجح وتغير حسن على الأراجوز كثيرًا، وأراد أن يكون البطل!
بطل كل شيء، بطل الحكاية، ويريد أن يعيش الدور حتى النهاية.
حسن الشطور: عايز أبقى البطل!
الأراجوز: هتخد بوكس على عينك، ما تشوفش بعده النور!
يا حسن يا شطور، والله العظيم مانتاش أمور!
تحركت عضلات الأراجوز، اجتمعت في قرارة نفسها أنها ستضرب حسن الشطور، ستلقنه درسًا لن ينساه، إنه يستحق على وجهه لكمة محترمة، قوية كهذه.
خذ هذه يا حسن، وهذه أيضًا.
حسن: آخ آخ، آي آي، يا أبيه أراجوز، أنا آسف، أنا آسف يا أبيه!
من أخبرك أن الأراجوز كان يمزح، إنه جاد للغاية، انظر لعضلاته وأعصابه، انظر لقلبه القوي، إنه لا يلتوي في كلماته، وحين انتهى من لكمك راح بدم بارد يقشر فاكهة اليوسفندي، ويكمل عمله كالأفندي، وأنت تنزف قطنًا ودمًا يا عيني.
تعثرت خيوطك ومن يعلم إنْ كانت أطرافك بخير يا شطور، وماذا لو عاد الأراجوز ليوجِّه لك لكمة أخرى؟ هل سيفعل؟ هل سيتهور؟ من يعرف؟ من يدري؟
