فول وقصب (17)

 

 

 

 

مُزنة المسافر

حلمي السكران شبه نائم متكئ في زاوية في زقاق ضيق للغاية، يفتح عينيه ليرى تحية بضفيرتين غريبتين وفيونكا مجنونة على رأسها، تلبس قميصًا مخططًا وبنطالًا مرقعًا، حيته بكل غرابة.

تحية: حلمي! إديني شوية فلوس.

حلمي السكران: ليه؟ حتعملي بيهم إيه يا كابوس؟!

تحية: وإنت لحقت تحلم يا حلمي، عايزة أجيب كزوزة!

حلمي السكران: ممعيش، شايفاني إيه قدامك شهبندر التجار، يا ريت يا تحية يا ريت!

تذكر حلمي السكران وسط عقله عربية مجدي، تذكر أهل الفلوس الذين يشترون نفوس الدمى، ويشترون قلوبهم وعيونهم، ويحملونهم إلى بلاد النجوم، ويضعونهم في سماء تشبه لمعاناتها لمعان لوحة الكازينو.

بينما دلولة عائدة إلى الطابق الخامس على السلالم، تذكرت أنها للمرة الأولى تقابل رجلًا ثقيلًا، ثقيلًا في وزنه الاجتماعي، مجدي ليس رجلًا محترمًا فقط بل إنه رومانسي.

هل هو الواد التقيل، وهل ستكون هي ببال طويل؟

دخلت دلولة الشقة، ووجدت شربات منشغلة بكي الملابس في غرفة المعيشة، وفي مساحة صغيرة أمام التلفاز تمايلت دلال كسعاد حسني، وغنت يا واد يا تقيل، تذكرت.

بيبص إزاي…

والضحكة إزاي…  

وأنه في جسده وصلابته كتمثال رمسيس الثاني.

جاء عمي رجب من الخارج، ووصد الباب خلفه، رأى فوضى عجيبة في المكان، هل الدمى واقفة في مكانها؟، صمد الأراجوز وشكشك أمام الشكوك، لكن حسن الشطور كاد أن يقع على الأرض.

وهنا انتبه عمي رجب أن الدمى غيرت مكانها المعتاد، ووجد أن المسرح قد عبث به أحدهم، من يكون؟، إنها القطة التي تأتي من منزل الجيران أحيانًا، أو ربما هو نفسه نسي تمامًا أنه حرك المسرح قبل أن يخرج، لا بأس سيعيد عمي رجب كل شيء إلى مكانه غدًا صباحًا، إنه مرهق، سيخلد إلى النوم في غرفته.

تحرك شكشك وشعر أن الزغطة تمكنت منه، وأن الفُواق تكرر، يريد ماءً ليبلعه، وعتب على حسن الشطور أنه لم يقف كالصنم، عليه أن لا يتحرك شبرًا.

بينما الأراجوز وجدها فرصة أن يكتب ربما إعلانًا يجذب فيه الممثلين الجدد، شعر أن رفقته هؤلاء سيفضحون طموحه أمام عمي رجب، خصوصًا فواق شكشك غير المتوقع، وعدم توازن حسن الشطور في لحظة الخطر.

شكشك: كنت حتودينا في داهية يا حسن!

حسن الشطور: ما تقول لنفسك يا راجل يا عجوز!

شكشك: بتضحك عليا؟ أنا راجل قد أبوك.

حسن الشطور: أبويا بس عمي رجب، وعمرك ما تكونش زيه!

من يقدر أن يكون كعمي رجب؟، في حنانه وطيبته، من يقدر أن يقدم الصبر بهذا الشكل؟ في زمن راح فيه أهل الصبر بعيدًا عنا، إن عمي رجب يغط في نومٍ عميق، يتذكر ربما طفولة قديمة، علمته ألف حيلة ليعيش، ونسجت وسط أحلامه العرائس، الخيوط والأزرار.

تلك الدمى، رسمها في ماضٍ عتيق، خاط مع والدته بعضها، ليقدم هدية لأخته الصغرى، ولاحقًا دمية أخرى لابنة الجارة العزيزة، وحين وجد عمي رجب أن الريف البعيد لا يقدر على خلق صندوق كامل يضع فيه عمي رجب آماله عن الدنيا، وسؤاله المستمر عن المدينة العريضة، جاء إليها، ليكون وسط أنوارها، ويرصد أحلام صغارها، ويبني لكبارها بابًا كبيرًا لعالم منسي، وهل هو كذلك؟ من يدري؟!

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z