حيدر بن عبدالرضا اللواتي
بين الفينة والأخرى نمُرُ على تغريداتٍ تتناول موضوع ارتفاع أسعار الأدوية في البلاد مقارنة بأسعارها في دول المنطقة؛ حيث تصل أحيانًا إلى أكثر من ضعفي السعر؛ الأمر الذي يمثّل مشكلة مالية لدى الكثير من المرضى ذوي الدخل المحدود والأُسر الفقيرة في المجتمع.
والبعض من المغرِّدين يوجّهون رسائلهم للمسؤولين بوزارة الصحة، وآخرون يقومون بطرحها في وسائل التواصل الاجتماعي لتوعية الناس بضرورة التوجه إلى بعض الدول لشراء الأدوية منها إن كان ذلك ممكنًا عبر المسافرين أو السياح المتواجدين في تلك الدول؛ حيث تصل الأسعار إلى 20% مقارنة بسعر هذه الأدوية في السوق المحلي. فمثلًا هنا تباع علبة بعض الأدوية بقيمة 30 ريالًا عُمانيًا، بينما تجد قيمة نفس الدواء في تركيا أو إيران أو الهند أو تايلند يصل في حدود 2.5 ريال عُماني. وهذا ما يذكره البعض في رسائلهم، مُطالبين الجهات المعنية بوزارة الصحة بضرورة الاهتمام بهذا الموضوع باعتبار أن الدواء يُعد من الحاجات الأساسية والإنسانية للمريض، وأن استمرار صحتهم وحياتهم مرتبط بتناول تلك الأدوية. كما يطالبون الجهات المعنية بضرورة مراجعة أسعار الأدوية والرقابة على الصيدليات بألّا تقوم برفع الأسعار بصورة خيالية، مع ضرورة التعامل مع الدول التي تقوم بإنتاج الأدوية المماثلة التي تم ذكرها سابقا، حيث تتوافر لديها البدائل، الأمر الذي يساعد المرضى في الحصول على الأدوية التي تكون في متناول أيديهم من حيث القيمة.
ورغم أن هذا الموضوع له تبعات، إلّا أن البعض يرى أن ارتفاع أسعار الأدوية في سلطنة عُمان يُعزى إلى عدة أسباب؛ منها ما هو عالمي وبعضها محلي، كوجود احتكار لبعض الأدوية، وجشع بعض الشركات في تحقيق مزيد من الأرباح. الموضوع مُرتبط أيضًا بمنظومة كاملة تشمل التصنيع والشحن والتسجيل والرقابة والتوزيع والعملة والتأمين الصحي وغيرها من الأسباب.
أسعار الأدوية في سلطنة عُمان ترتفع لأن معظمها تُستورَد من الخارج، وليست هناك صناعات محلية لجميع المنتجات، وهذا ما يحصل في بقية الدول الخليجية التي تستورد معظم أدويتها من الخارج تشمل أوروبا، وأمريكا، واليابان بجانب الهند، وتركيا وغيرها من الدول الأخرى. وكلما ارتفعت الأسعار عالميًا بسبب التضخم أو ارتفاع تكاليف الطاقة أو الشحن أو المواد الخام، فإن ذلك ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية، في الوقت الذي علينا أن نعرف بأن معظم المواد الكيميائية الفعالة المستخدمة في صناعة الأدوية تأتي أساسًا من الخارج، وأن أي اضطرابات في سلاسل التوريد أو أسعار النفط أو النقل البحري تؤدي إلى زيادة التكلفة العالمية للأدوية. وخلال السنوات الماضية ارتفعت تكاليفها عالميًا منذ جائحة كورونا وما بعدها.
أما السبب الآخر لارتفاع أسعار الأدوية في البلاد، فهو أن حجم السوق العُماني صغير مُقارنة بأسواق بعض الدول الكبيرة المستوردة لها؛ الأمر الذي يؤثِّر على سعر تكلفة الوحدة منها، خاصةً وأن بعض المرضى يحتاجون إلى الأدوية الأصلية التي لها حماية وبراءات اختراع عالمية لسنوات، بسبب كُلفة مصرفات الشركات المنتجة لها في عمليات البحث العلمي، والتجارب السريرية والتطوير، وهذا ما يؤدي إلى حصول فرق في الاسعار بين الادوية الاصلية وبدائلها من دول أخرى. وعمومًا فان اسواق الدواء في العالم مرتبطة بعدة أمور من أسعار العملات الرئيسية في العالم كالدولار الأمريكي، وأسعار النفط والنقل البحري والمواد الخام والتضخم العالمي وجميعها تؤثر على الدول المستوردة لها.
وهنا يرى البعض أن الأدوية المُستورَدة من بعض الدول كالهند وتركيا وإيران وغيرها لها مفعول مماثل في العلاج وهي ليست أقل جودة من مثيلتها المنتجة في الدول الأوروبية، خاصة وأنه يتم تصديرها إلى دول في أوروبا وأمريكا أيضًا، وهي مُسجلة رسميًا وخاصعة للرقابة ويتم إنتاجها في مصانع معتمدة وليست كلها ذات جودة منخفضة؛ بل إن بعض المصانع في تلك الدول تطورت وأصبحت منتجاتها الدوائية ذات جودة عالية وبسعر منافس للأدوية المنتجة في الدول الأوروبية وأمريكا؛ سواء للأمراض المزمنة، أو المضادات الحيوية، أو أدوية السرطان وغيرها. أما تراجع سعرها فيعود أحيانًا إلى قلة تكلفة العمالة في تلك الدول، أو إلى إنتاج الكميات الصخمة منها، إو إلى الدعم الحكومي لها بجانب أسواقها المحلية الكبيرة، وقلة الضرائب لديها.
وعمومًا فإنَّ السوق العُماني والأسواق الخليجية تحتاج إلى إنتاج المزيد من الأدوية محليًا، وذلك بالتوسع في التصنيع الدوائي المحلي، ودعم البحث العلمي في مجالات صناعات الأدوية والطبية، لكي تصبح مناطق منتجة للدواء والعمل على التكامل في هذه المجالات، وكي تتمكن من توفير مختلف الأدوية وبأسعار تكون في متناول المرضى.
