تردي أوضاع شركة الأسماك العُمانية.. لماذا؟

 

 

 

حيدر بن عبدالرضا اللواتي

haiderdawood@hotmail.com

لم يتوقع المساهمون في شركة الأسماك العُمانية أن يصل بها الحال إلى هذه الدرجة من التردي بحيث يُعلن كامل مجلس الإدارة تقديم استقالته في ظل استمرار التحديات المالية والإدارية التي تُواجهها الشركة. فهذه الشركة تُعتبر من أقدم الشركات المساهمة العُمانية التي تم إنشاؤها في وقت كان يتم فيه تأسيس سوق الأوراق المالية في البلاد بنهاية فترة الثمانينات من القرن الماضي وبمُباركة سامية من المرحوم جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه.

فشركة الأسماك العُمانية تم تأسيسها بموجب المرسوم السلطاني الصادر في 8 ديسمبر 1987، فيما بدأت عملياتها التشغيلية الفعلية في أبريل 1989. وحتى السنوات الأخيرة كانت تعد من أكبر شركات الصيد وتجهيز الأسماك في المنطقة وتقوم بتصدير كميات كبيرة إلى الخارج أيضا. والهدف من إنشاء هذه الشركة كان لتلبية الاحتياجات المحلية وتوفير المنتجات السمكية الطازجة والمجمدة للمستهلكين داخل سلطنة عُمان بأسعار مناسبة، وتنفيذ أعمال الصيد، وتسويق المنتجات وتصديرها إلى الدول الخليجية والعربية والأجنبية، الأمر الذي أدى إلى تشغيل العديد من الكوادر الوطنية بها بجانب مُساهمتها في تنويع الاقتصاد الوطني وخلق فرص استثمارية في القطاع السمكي.

إعلان الاستقالة يأتي بعد مناقشة الوضع المالي للشركة مؤخراً على ضوء المداولات التي شهدتها الجمعية العامة العادية المنعقدة، والتي أبدى خلالها حملة الأسهم عدم رغبتهم في تقديم المساعدة المالية المطلوبة للشركة أو التعهد بالالتزام بتوفيرها بعد أن شهدت الشركة أزمة سيولة حادة لم يعد بإمكانها الاستمرار في أعمالها الإدارية والفنية. فقد تجاوزت الخسائر المتراكمة عليها أكثر من 22 مليون ريال عُماني، ما أدى إلى تآكل رأس المال بالكامل. وهذا الوضع يعني أن الإجراءات التي اتخذتها الشركة خلال الفترة الماضية لا يمكن معها إعادة الهيكلة أو تغيير نموذج عملها.

وكما هو معروف فإنَّ شركات المساهمة العامة في أية دولة تتعرض للخسائر عندما تتراكم مجموعة من المشكلات التشغيلية والمالية والإدارية في وقت واحد، خصوصاً إذا كانت تعمل في قطاعات حساسة للتقلبات مثل قطاع الثروة السمكية. ومن أبرز الأسباب التي تؤدي عادةً إلى زيادة الخسائر في هذه الشركات تتعلق بانخفاض الإيرادات والمبيعات، وارتفاع التكاليف التشغيلية مثل الوقود والنقل والطاقة والأجور، وضعف الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، مع انتشار الفساد من قبل رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة، بالإضافة إلى التوسع غير المدروس أو الاستثمار في مشاريع غير مُربحة، خاصة في أوقات المنافسة القوية من الشركات المحلية أو المستوردين، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف التسويق وعدم تطوير المنتجات، وارتفاع الديون والفوائد البنكية على الشركات، مع ضعف الحوكمة والرقابة الداخلية لها.

 البيانات المالية لشركة الأسماك العُمانية للسنوات الماضية تُشير إلى أنها حققت خسائر متواصلة رغم محاولات تقليص المصروفات، الأمر الذي أدى إلى تراجع إيراداتها بصورة كبيرة وبنسبة تزيد عن 50%، بجانب ارتفاع تكاليفها التشغيلية الناجمة عن ارتفاع الوقود ومصروفات التبريد والتخزين، والنقل البحري والبري، والصيانة، بالإضافة إلى ضعف القيمة المضافة لها عن بيع المنتجات التقليدية دون التوسع الكافي في الصناعات السمكية التحويلية وإنتاج العلامات التجارية العالمية. كما أن الشركة واجهت أيضاً منافسة شديدة في السوق المحلي والآسيوي ومن مشاريع شركات الاستزراع السمكي الحديثة، الأمر الذي أوجد منافسة في الأسعار وهوامش الربح.

إن ضعف الاستفادة من الثروة البحرية العُمانية يعتبر أحد الأسباب الرئيسية في تراجع عمل هذه الشركة الوطنية التي كانت في سنواتها الأولى تدفع أرباحا سنوية جيدة للمواطنين الذين تهافتوا على شراء أسهمها. فعُمان كما نعرف بأنها من الدول التي تمتلك ثروة سمكية ضخمة، لكن الاستفادة الاقتصادية القصوى تحتاج إلى العمل بتقنيات حديثة وموانئ متطورة، وتسويق عالمي، وتوفير سلاسل تبريد فعالة، بجانب توفير عقود تصدير مستقرة.

إنَّ إنقاذ هذه الشركة في الوضع الراهن يحتاج إلى اتخاذ الكثير من الخطوات منها مراجعة الخلل الإداري في الشركة والنظر في الرواتب العليا، بالإضافة إلى النظر في الأصول غير المستغلة لها والتوقف عن العمل في الأقسام الخاسرة وغيرها من الأمور الأخرى. كما تحتاج الشركة إلى إدارة تنفيذية جديدة ذات خبرة دولية في الصناعات البحرية، وضرورة تحولها من شركة صيد إلى شركة صناعات غذائية بحرية كاملة، بجانب توسعها في الاستزراع السمكي. كما يمكن أن تعمل الشركة على جذب شريك استراتيجي من المستثمرين في الخليج وآسيا بشكل عام ممن لهم خبرة في شركات عالمية متخصصة في هذا القطاع من أجل تعزيز خطط شراكة وتطوير عمليات التسويق والتصدير. ومن المهم جداً أن يستمر الدعم الحكومي لها من خلال الإعفاءات وتسهيل أعمال الشركة لتتحول إلى نموذج استثماري ناجح في البلاد.

الأكثر قراءة

z