رواية العَربانة (5)

الكاتب حمد الناصري  

وكأنّ جوّ الصدمة بدأ يتلطف، والذهول بدأ يذوب في دفءِ حقيقةٍ جديدة؛ لتفسح المجال لسردٍ مؤلم بدأه سعيد، من بعد صدمةٍ جعلت الأفكار تتجمّد في العقول؛ مؤكّدًا على عُمق الأثر الذي خلّفه الحدث الجديد، والذي أسماه "فاجعة زنجبار" أو "كارثة 1964 السوداء"؛ تلك الواقعة التاريخية المفصلية والثقيلة على قلوب العرب قاطبة، والتي تظل وثيقةً دامية في المشهد الوجداني العُماني، أو كارثة التآمر على الوجود العُماني في الشرق الذهبي.

قال سعيد الذي نجا والده من مؤامرة 1964، متحدثاً بمرارة العارف، واضعاً يده على جرحٍ تاريخيٍ غائر: 
إنها سردية تاريخية تفصيلية، مفاصلها زنجبار.. وما أدراك ما زنجبار.؛ تلك المدينة الحجرية المتربعة على عرش التراث العالمي، والتي شهدت ما عُرِف بـ 'نكبة العرب'؛ فلم تكن تلك الثورة إلا تشتيتاً مُمنهجاً للوجود العُماني، واستهدافاً لشرعية السلطان جمشيد بن عبد الله، بتدبير من بريطانيا التي طالما طبّقت فلسفة "فرّق تسد" لإجهاض الحقوق ونهب مقدرات الشعوب.

قال منصور متفقاً مع سعيد، وكلاهما تربط أسرتهما علاقة تاريخية ممتدة بزنجبار:
ـ نعم صدقت.. لم تستطع القوة العُمانية الدفاع عن حُكمها وصون مكانتها لأنها كانت مِحْور سلام لا مِحْور صراع وحروب. إنّ السبب الجوهري لسقوط السلطنة العمانية في زنجبار والحضارة الأقوى قيماً، والأعظم زمناً، والأكبر تجسيداً للأثر الباقي في الشرق الافريقي هي حضارة الوجود العُماني؛ فالعُمانيون في زنجبار لم يُهزموا لضعفٍ في شجاعتهم، بل لأنهم بنوا كياناً قائماً على التجارة، والعِمارة، والتعايش، ولم يكونوا مستعدين لغدر سياسي أو وحشية عسكرية مدعومة من الخارج.

قاطعهم الرجل مربوع القامة، سليمان الأزدي، قائلاً بنبرةٍ حازمةٍ شقّت سكون المكان:
ـ الحقيقة التي أود أن ألقيها على مسامعكم هي أن التاريخ الغربي شرير، لا يعترف بالقِيم ولا بالسلام. إنْ لم تُطعه لم يرضَ عنك بتاتاً، وإنْ لم تُرضه خانك ودبّر لك المكائد من حيث لا تدري. التاريخ الغربي يا رجال، يقوم على التقسيم ودبّ المكائد المُناهضة لأي حُكمٍ أو قيادة وطنية؛ إنه تاريخ مُلتهب بنشاطات الانقلابات والخيانة، سياسة الغُرباء سياسة فيها قبحٌ وقباحة، لا تعترف بأي حقٍ بشري دونها، تقوم على الصراع والخداع، وتعتمد نظرية "فرّق تسد"؛ ولذلك لم يتماشَ معها التاريخ العُماني، لا في آسيا ولا في إفريقيا. قيمُنا الإباء والعزة، بينما يبحث المُستعمر دوماً عن فُرص النزاع كي يتدخل، فيدمّر ما يشاء وينهب ما يشاء.

وشارك أحمد بمداخلةٍ قيّمة في الحوار، مشاركة ربطت التاريخ بالواقع الاستراتيجي، وحوّلت الحوار من رثاء الماضي إلى استشراف المستقبل، قائلاً:
ـ اسمحوا لي أن أدلي بدلوي؛ أنا أرى أنّ الاحتفاظ بقوةٍ إقليمية رادعة هو خيرٌ وأبقى. نحن الآن في أمسّ الحاجة إلى بقاء وجود حقيقي، لا بقاء تبعية مُفرطة. أما حضارتنا العُمانية، فقد تخلخلت منذ سنين طويلة بعد أن تكالبت عليها الأطماع، وسيطر المُستعمر البائس على جزءٍ كبيرٍ منها؛ انطلاقاً من نظرية المكر والخداع، المُشبّعة بدوافع الكراهية والخبث؛

ساد صمتٌ قصير، قطعه منصور اليعربي بهدوئه المعهود وثقته الراسخة، قائلاً:
ـ طيّب.. نحن كمجتمعٍ آمِن، نريد أن نبتعد عن كُلّ هذه التنظيرات الاستعمارية؛ فلا شأن لنا بها، ولا بما ينتهجه الغير من محاسن أو مساوئ، أو ما يتخذه من نهج فكري وفق مصالحه ومنافعه.. نحن نريد فلسفة تخصّنا وحدنا! فلسفة تنبع من ترابنا وتاريخنا وأخلاقنا. هيّا.. قُولوا ما في جُعبتكم من أفكار.

وظلّ سُليمان ومنصور وسعيد وأحمد على طاولة الاجتماع، يتبادلون الأحاديث حول مواضيع شتّى، يستقصون الأخبار من بعضهم بأسلوب استخباري ذكي، وكأنهم ينسجون خيوط واقع جديد. كان حسّ أحمد الداخلي عالياً جداً، يمتلك قدرة فائقة على القراءة الأولية وتوقع القادم؛ فراسة لا يُستهان بها، ونادراً ما خاب ظنّه. كان ينظر إلى الوجوه، فيقرأ في صمتها ما تعجز الألسن عن بَوحه. 

لا يزالُ أربعتهم على طاولة الاجتماع يتبادلون الأحاديث، في غرفة فسيحة يبلغُ طولها عشرة أمتار، يفوح في أرجائها أريج اللّبان الفاخر. كانت الغرفة تحفة معمارية؛ تزدان جنباتها بنقوش وزخارف بديعة، وسقفها مشيدٌ من الخشب التراثي الفريد، بينما تنسدلُ على نوافذها ستائر فاخرة. فُرشت الأرضية بسجاد فارسي عتيق، وتصدّرت المكان صورة مهيبة تحبسُ الأنفاس بجلالها؛ صورة تُعبّر عن ذكاء مُتوقد ونشاط ممزوج بالوقار، تفرضُ حضورها الطاغي على كل مَن في القاعة.

قال سُليمان الأزدي بعد أن تفحّص أحمد من رأسه إلى عَقبه بنظرة فاحصة:
ـ مرةً أخرى أُرحّب بكم، بثلاثتكم.. ويسعدني أنْ أُثني عليك أخي أحمد، كما أثنى عليك الأخوان منصور وسعيد. نتشرف جميعاً بك، ونتشرف بانضمامك للعمل معنا؛ فأنت شخصية فذّة وعبقرية، ومكسب حقيقي لـ "السوق"!
يتبع 6

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z