حمد الناصري
جلس أحمد مهموماً، يُحدّث نفسه في البيت بكثير من الأفعال التي تَنْتهك حُرمة التوافق الطبيعي بين البشر.. يقرأ أحداث فِعل الصبية وأخذ حقهم من الأغنياء وسرقة نعالهم وهم يُصلون في المسجد.. وتساءل، ترى ما الذي حملهم على هذه الفِعلة السوداء؟ لماذا أضحتْ البشرية اليوم ترزأ بين طبقتين لا وسَطيّة تُقلّل الفارق بينهما، وهل في قادم الأيام ستذوب طبقة الفقراء وتتحوّل لطبقة المُهمّشين او يكونوا يوماً من السارقين او لصوصاً.. سكت قليلاً.. وتساءل بوعي عميق، هل هناك فرق بين الحالة "سرقة نعل المصلين وبين السلوك مجتمع المدينة الذي يرى فيه الصبية أحقية فعلهم فيه وأخذ حقهم بيدهم، وكما عبروا ذلك ما يستطيعون.؟.
سكت قليلاً ثم أردف وهو يضع إصبعه على شفتيه:
ـ يبدوا أن مشكلة الصبية تدور حول فلسفة تصفية حسابات طبقية، فهم يرون بأنهم طبقة مهمّشة لا واقع حياتي لهم في المجتمع ولا ينظر إليهم أحد.. ثم عاد يسأل نفسه، حتى ولو كان ذلك صحيحاً لا ينبغي أن يتنازلوا عن قيم تربّوْ عليها ولا أن يُضيعوا مبادي أخلاقهم، فضلاً عن ذلك، فهم يفعلون مُنكراً من الأفعال غير الأخلاقية في مسجد، يُعرف بأنه مركز المجتمع، ومكاناً لممارسة شعائر ايمانية. وليس مكاناً لاسترداد حقهم من الاغنياء فهل سرقة نعال استرداد للحقوق.؟ حاورته نفسه: سرقة النعال ليست استرداداً للحقوق بل هي احتجاج وصرخة تُعبّر عن تهميشهم، فالأغنياء أضاعوا الاخلاق بينهم.؟
هزّ رأسه نفيًا، يستحيل التوافق بينهما.. بل أرى استحالة التوافق الطبيعي بينهما، فالطبقة المُهمشة، طبقة تعيش في ذل مجتمع يُمزقه الشقاق ولديهم وعْي عالٍ لا يريدون فساداً ولا صراعاً، بل يطرقون باب الرزق الحلال، أما طبقة اللصوص هم يمتهنونها كصنعة، يهدمون بها المجتمع ويُفسدون الناس ولا يُصلحون ولا يخلقون تعايشاً مستقرًا.
بقي حائراً بلا إجابة مُقنعة، يسَتنير بها إلى الحقيقة، تحوّل المشهد في ذهنه إلى حال مؤسف جداً، وتمتم.. الناس يسيرون إلى الفقر.. كتم غيضًا، بقايا وعْي يتدثّر بها، يرى الحقيقة بوضوح لكنه لا يملك تغييرها. قال في نفسه مفردات صعبة ومُعادلات قاسية.. فقرٌ مادي قلق يتزايد، نعلٌ مفقود أخلاق تتعرّى.؛ كتمان غيظ وعْي عاجز، مبادئ هشّة أثرًا يُنسى.؛
ضاق صدره، كتم غيضه، نظر إلى جُدران قائمة، ملوحة البحر عرّت حقيقتها، نعم هكذا هي الأخلاق إن فقدتْ صلابتها أذابتها الحاجة.؛ المجتمع كالجدار لا يزال صلباً قائماً مستوراً إن لم يتآكل بفعل رطوبة او لزوجة، يبقى قويًا محميًا إنْ لم تدبّ فيه عوامل الفساد، تتأكل قيم المجتمع إنْ لم تُصان.؛
مدّ نظره بعيداً، أطال النظر، فتخيّل القرية الساحلية، ذات الامتداد البحري العريق: بيوت مهجورة غادرها أصحابها.؛
قالتْ أم أحمد وقد أدركتْ بأنه مشغول البال:
ـ بُنيّ، إنّ آلامك أنت وأختيك تثقلُ على كاهلي وتنوء بها نفسي، وأراني غير قادرةٍ على أن أُوفي بحقكم، وإنّي لأرى أنّ أمراً ما قادم، ليتهُ يَمَسّني وحدي!
ارتجف أحمد من كلام. أمه وأحسّ طنينًا في رأسه، فقال بتوجس وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
ـ كفاكِ الشر يا أمي.. وكل أمر من الله لا نُدركه، ففي هذه الأيام كثرتِ الفجأة، وصار كل شيءٍ يحدثُ بغتة.
سقطت أمه فجأة، بدت مُتعبة.. هرع إليها كانت لا تنطق، خرج مسرعًا، أصوات وأبواق السيارات تتعالى، غير مُبالٍ بما تصطدم به قدماه، رجلاه تتخالجان، انتعلَ فردتيْن مُختلفتين، غير مُكترث.. توقّف أمام الصيدلانية التي تعوّد أخذ الدواء لأمهِ من عندها.. انطلق يهرع بقوة، ودويّ في داخله: ماذا إنْ ماتتْ أمي؟!
خطرتْ في باله هذه الكلمة القاسية، فالموتُ كلمةٌ تقشعر منها الأبدان! رجع مُسرعاً، واقترب من أمه وقبّلها وقد دمعت عيناه.. مدّ يده إليها مع انحناءةٍ يتذلل بها إكراماً وتقديراً لمكانتها: ـ الدواء يا أمي! كانت قد أفاقت، فقال لها:
ـ الصيدلانيّ يقول إنّ عليكِ أخذه الآن.
استعادت أم أحمد وعيها، لكن الأزمة كانت ثقيلة على نفسية أحمد، فالوعي الجديد هو خطر قادم استشعره أحمد ولم يتبدد، بل أعطاهُ نذيراً أولياً عنيفاً. وأدرك أنّ نجاة أمه المؤقت ما هو إلا تأجيلاً حسياً قد يتحوّل إلى يقين.. إنه الوعي الجديد في عقله صار عبئاً يُمزق طُمأنينته. وأيقن أن ثمن البقاء هو تأمين الدواء. تلاقتْ نبضات البقاء مع الواقع المرير، وباتتْ فردتا النعل المختلفتان القابعتان عند العتبة شاهداً حياً على أن القوانين تسقط أمام غريزة البقاء. وأنّ المعادلة مادية شرسة، الحياة تُساوي ثمن الدواء.. ترك بعض المال في بطن يدها.. سمع تمتمة كلماتٍ تزكيه برضاها عنه: يوفقك الله.. يوفقك الله.!
دفعت دعوات مريم الممزوجة بالرضا أحمد إلى عالم المواجهة الحتمية.. مضى يخطو إلى لُقمة عيشه، وشرع يجمع بضائعه التي سيحملها في عربته اليدوية، التي تُعرف محلياً بـ "العربانة". سكينة عارمة تغمرهُ وهو يجمع ما تناثر من أحمال، مستنيراً بالبوصلة الواضحة التي رسمها له دعاء أمه؛ السعي لتأمين الدواء لتبقى مريم نبضاً لحياة البيت. وهنا، كشف أحمد سراً، أنّ الغاية تُشَرّف الوسيلة، وأنّ "العَربانة" لم تكن مجرّد أداة مادية، بل هي خط دفاع عن الكسب الشريف والأخلاق.
ابتسم وأخذ يجر عَربانته بثبات في دروب قريته الساحلية العريقة، يدفعه رضا أمه وتُدثره سكينة وعُودها، تحرسهُ تلك الدعوات كتميمة انتصار تتردد في آفاق وجدانه، كوقود لا ينضب يزرع الأمل.
يتبع 4
