كتبه: الدكتور سالم بن عقيل مقيبل
وُلد الشيخ محمد أكرم بن صالح بن محمد الزهري البلوشي في مدينة زهري بإقليم بلوشستان عام 1945م. تعلّم الأبجدية العربية في قريته، ثم رحل إلى بلاد السند لطلب العلم الشرعي.
وعندما شبّ وبلغ الثامنة عشرة من عمره، التحق بالجيش السلطاني في عهد السلطان سعيد بن تيمور، وهاجر إلى مسقط في يونيو عام 1964م، فالتحق بكتيبة الجبل الأخضر، وعمل فيها كاتبًا ومراسلًا. ثم انتقل بعد ذلك إلى كتيبة مسقط، ومنها إلى كتيبة جنوب عُمان في سبعينيات القرن الماضي.
وكان كلما انتقل إلى كتيبة جديدة أسس فيها مسجدًا بعد استئذان القادة في تلك الفترة، ولا تزال تلك المساجد عامرة بالذكر والصلاة إلى يومنا هذا. وبعد انتقاله إلى ظفار، تغيّر مسماه الوظيفي إلى مرشد ديني، فكان يُعلّم الجنود القرآن الكريم، ويؤمهم في الصلوات، ويخطب فيهم الجمعة، ويقدّم الدروس اليومية في المسجد.
وفي عام 1992م انتقل إلى كتيبة «إف إف بريسوت»، واستمر فيها ثلاث سنوات حتى عام 1994م، ثم انتقل إلى كتيبة الحدود الغربية عام 1995م، وبعدها عاد إلى كتيبة جنوب عُمان، حيث كانت آخر محطاته العسكرية. وتقاعد في مارس عام 1997م برتبة نقيب جوي.
وفي نوفمبر عام 1985م نال الوسام السلطاني الخاص (الطغرائية السلطانية)، تقديرًا لجهوده وتفانيه في خدمة وطنه.
سكن الشيخ في مساكن سلاح الجو بقاعدة صلالة الجوية من عام 1985م إلى عام 1995م، ثم انتقل إلى السعادة الجنوبية، وهناك بدأ إقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم في منزله. وبعد ذلك انتقل للتدريس في مسجد السيدة فاطمة الزهراء ومسجد السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنهما.
وعندما بنى منزله في السعادة الجنوبية، أسس بجواره مسجد الإمام أبي حنيفة، الذي افتُتح في 23 أكتوبر 2003م. ثم أسس عام 2009م مدرسة جامع أبي حنيفة لتعليم القرآن الكريم للنساء والبنات بجوار المسجد، كما خصص سكنًا مجانيًا للنساء القادمات من البادية لدراسة القرآن الكريم.
وقد تخرج على يديه عدد كبير من الحفاظ والحافظات، كما صحح تلاوة القرآن الكريم كاملة لما يقارب ألفي شخص. وكان يدرّس القرآن صباحًا ومساءً بلا انقطاع. وفي عام 2015م افتتح فرعًا لمدرسة القرآن الكريم في منطقة جيلوب بجبل طاقة، تتولى إدارته إحدى الحافظات من طالباته.
كما أسس في بلوشستان مسجدين وست مدارس لتحفيظ القرآن الكريم، وكان آخرها مدرسة افتُتحت قبل وفاته بأيام في شمال باكستان. وكانت همته الكبرى ـ رحمه الله ـ تعليم القرآن الكريم ونشره وتحفيظه بين الناس.
وكان من عادته أن يختم القرآن الكريم كل ستة أيام طوال العام. أما برنامجه اليومي فكان منظمًا ودقيقًا؛ إذ ينام الساعة العاشرة مساءً، ثم يستيقظ الساعة الرابعة فجرًا لقيام الليل، ويصلي الفجر، ثم يبدأ أعماله من الساعة التاسعة صباحًا حتى الظهر، ويأخذ قسطًا من الراحة حتى العصر، ثم ينشغل بالكتابة والتأليف إلى وقت المغرب.
ترك الشيخ أكثر من خمسة وأربعين مؤلفًا، منها تسعة مؤلفات باللغة العربية، وسبعة باللغة الأردية، وثلاثون مؤلفًا باللغة البلوشية (البراهوئية). ومن أبرز مؤلفاته العربية:
الخلق العظيم في سيرة الرسول الكريم.
الحبل المتين في فضائل الكتاب المبين.
طريق الجنان.
دموع الصالحات.
المسلمات.
الحب في الله.
حياتك ثمن جنتك.
كشف الغمام عن القراءة خلف الإمام.
حقوق الحاكم والمحكوم.
وكان ـ رحمه الله ـ يقدم دروسًا يومية في كتاب «رياض الصالحين» بمسجد أبي حنيفة، كما خصص حلقة يومية لتصحيح التلاوة لكبار السن من أهل الحي. ومن عاداته الجميلة أنه كان يخصص ساعة يومية بعد صلاة العصر للتواصل مع معارفه وأصدقائه وأحبابه المسجلة أسماؤهم في هاتفه.
وقد أوقف لله تعالى بيتًا يملكه في مسقط، يُصرف ريعه على مدارس القرآن الكريم، كما كان يتكفل بعدد من الأسر الفقيرة والأيتام في بلوشستان من خلال تحويلات مالية دورية على مدار العام. وبعد أن كبر أبناؤه، جعل معظم راتبه في الصدقات ودعم الأيتام ومدارس القرآن الكريم.
كما طبع على نفقته الخاصة تفسيرًا للقرآن الكريم باللغة البلوشية (البراهوئية)، إسهامًا منه في تعليم أبناء مجتمعه في مسقط رأسه. وكان يزورهم سنويًا في الإجازات، ويقضي فترة إقامته بينهم في الدعوة والتعليم والإرشاد.
وفي يوم الأربعاء 3 ذي الحجة 1447هـ الموافق 20 مايو 2026م، صلى الشيخ الظهر والعصر، ثم فاضت روحه إلى بارئها عند الساعة الرابعة والنصف عصرًا. وشُيعت جنازته بعد صلاة العشاء إلى مقبرة الشيخ عبدالرحمن بعوقد، حيث صلى عليه جمع غفير من المسلمين، ووُوري الثرى بعد أن ترك أثرًا عظيمًا في نفوس تلاميذه وتلميذاته ومحبيه.
لقد آثر الآخرة على الدنيا، وغادر هذه الحياة بعد أن أمضى فيها واحدًا وثمانين عامًا حافلة بالعطاء والعمل والإنجاز. نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يرفع درجته في عليين، وأن يخلف على أهله وأبنائه خيرًا، وأن يعين تلاميذه ومحبيه على مواصلة السير على نهجه.
لقد ترك ـ رحمه الله ـ أثرًا طيبًا مباركًا، وسيرةً عطرةً حافلةً بالإنجازات والأعمال الصالحة التي تسر القلوب وتبقى شاهدةً له بعد رحيله. وبوفاته فقدت الأمة رجلًا من رجال القرآن والدعوة والتعليم، غير أن مسيرة الخير لا تنقطع، فمشاعل النور يحملها من بعده من تربّوا على يديه ونهلوا من علمه.
وستبقى راية القرآن مرفوعة ما دام لها رجال يحفظونها ويعلمونها للناس، مصداقًا لوعد الله تعالى بحفظ كتابه. رحم الله الشيخ محمد أكرم البلوشي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأعان من جاء بعده على إكمال مسيرة العطاء والدعوة إلى الله.
