التكريم الذي حضره الشيخ أحمد السعدي أكثر مني

 

 

 

 

د. أحمد بن علي المرهون

 

في عام 2007 كنت أدرس الماجستير في القاهرة، أعيش حياة الطالب التقليدية، كتب أكثر من المال وأحلام أكبر من حجم الجيب. وبينما كنت أتجول بين قاعات الجامعة ومكتباتها، وصلني خبر سعيد مفاده أن شؤون البلاط السلطاني قرر تكريمي بسبب فوز إحدى المبادرات التي تقدمت بها.

فرحت كثيرًا، ثم تذكرت حقيقة صغيرة ومزعجة، وهي أنني في القاهرة. حجزت تذكرة على عجل ووصلت إلى مسقط مساء السبت، بينما كان حفل التكريم صباح الأحد. وما إن وضعت حقيبتي على الأرض حتى اكتشفت أنني أمتلك كل شيء إلا ما يحتاجه التكريم.

لم يكن لدي دشداشة عُمانية مناسبة، ولا مصَرّ، ولا خنجر، ولا حذاء يليق بالمناسبة. كنت أملك شهادة ماجستير قيد الإنجاز، وبعض الكتب، وكمية محترمة من الحماس، لكن الحماس لا يمكن ارتداؤه في حفلات التكريم الرسمية.

وجدت نفسي أمام أزمة لوجستية حقيقية. في تلك اللحظة تذكرت صديقي العزيز الشيخ أحمد السعدي.

اتصلت به، ثم ذهبت إلى منزله، وشرحت له المأزق. استمع إليّ بهدوء، ثم تصرف كوزارة إمداد متكاملة. خلال وقت قصير وفَّر لي الدشداشة والمصَرّ والخنجر والحذاء، وربما لو طلبت سيارة رسمية وسائقًا لبحث الأمر بجدية.

في صباح اليوم التالي دخلت قاعة التكريم بكامل أناقتي العُمانية. كنت أمشي بثقة الفائز، بينما الحقيقة أن معظم ما أرتديه تعود ملكيته القانونية إلى شخص آخر.

حضر الشيخ أحمد السعدي الحفل، وهنا بدأت المشكلة. كلما مررت بجانبه ابتسم ابتسامة المنتصر الحقيقي. وحين أقترب أكثر يهمس في أذني: "الدشداشة تبعي". أبتسم وأواصل السير.

بعد دقائق أعود للمرور أمامه، فيهمس مجددًا: "ولا تنسَ أن المصَرّ أيضًا تبعي".

أحاول المحافظة على هيبتي أمام الحضور. ثم أسمعه مرة أخرى: "والخنجر كذلك".

بدأت أشعر أن الجائزة تتعرض لعملية خصخصة تدريجية.

بعد قليل أشار إلى الحذاء قائلًا: "حتى هذا لا تنسبه إلى جهودك العلمية".

في تلك اللحظة أدركت أن التكريم الرسمي له مالك آخر خلف الكواليس.

كان المسؤولون يظنون أنهم يكرمون صاحب المبادرة، بينما كنت أشعر أن الشيخ أحمد السعدي هو المشروع الحقيقي الذي يقف خلف المشهد بأكمله.

ولو استمر الحفل ساعة إضافية، لربما وقف فجأة أمام الجميع وقال: "أيها السادة، أشكر حضوركم. أما صاحب المبادرة فموجود أمامكم، لكن الملابس والمظهر العام والجاهزية اللوجستية تتبع لي بالكامل".

الحقيقة أن بعض الأصدقاء لا يقرضونك الأشياء فقط، إنهم يقرضونك لحظة كاملة من حياتك. وإذا كانت الجوائز تُمنح للأفكار، فإن هناك أوسمة غير مكتوبة يستحقها أولئك الذين يقفون في الخلف يساندونك عندما تضيق الخيارات ويصبح الوقت عدوًا شرسًا.

لذلك كلما تذكرت ذلك التكريم، لا أتذكر المنصة ولا الكلمات الرسمية ولا التصفيق، بل أتذكر الشيخ أحمد السعدي وهو يراقبني من بعيد بابتسامته الشهيرة، وكأنه المساهم الأكبر في شركة "أناقة المكرمين المحدودة".

تحية وفاء ومحبة إلى ذلك الصديق النبيل الذي أنقذني من الظهور في حفل رسمي بملابس طالب ماجستير مرتبك، ثم أمضى بقية الحفل يذكرني بأن نصف هيبتي على الأقل كانت مستعارة.

وحتى اليوم لا أعرف على وجه اليقين لمن كانت الجائزة؟ لصاحب المبادرة؟ أم لصاحب الدشداشة والمصَرّ والخنجر والحذاء؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z