د. غالية بنت عيسى الزبيدي
يبدأ الإنسان رحلته في أكثر البيئات هدوءًا وأقلها صخبًا: رحم الأم.
هناك، في ذلك العالم المائي الدافئ، يتكوّن الجنين وفق نظام بيولوجي بالغ الدقة؛ خلايا تنقسم، وأنسجة تتمايز، وأجهزة تنشأ في صمت تام، وكأن الحياة تُكتب على مهل. لا ضوء يزعجه، ولا صوت يربك إدراكه الناشئ، ولا خبرة تصدم وعيه الذي لم يكتمل بعد. إنه كائن في طور التشكّل، محاط بسكينة أشبه بالعزلة الكونية، حيث كل شيء محسوب بإيقاع بيولوجي دقيق: نبضات قلب الأم، وتدفق الدم، وتوازن الهرمونات التي تؤمّن له استمرارية النمو دون أن يعي شيئًا من هذا كله.
لكن لحظة الميلاد تمثّل الانفجار الأول في وعي الإنسان؛ إنها صدمة الاكتشاف الأولى. ينتقل فجأة من بيئة مغلقة إلى عالم مفتوح، من الظلمة إلى الضوء، ومن السكون إلى الضجيج. علميًا، يبدأ جهازه العصبي في استقبال سيل من المحفزات الحسية: الضوء يوقظ الشبكية، والهواء يملأ الرئتين لأول مرة، والأصوات تتسلل إلى أذنه بلا حواجز. إنها لحظة انتقال حاد من الاتزان الداخلي إلى التفاعل الخارجي، حيث يبدأ الدماغ بتشكيل شبكاته العصبية استجابةً للتجربة.
ومع كل مرحلة عمرية، تتجدد صدمة الاكتشاف بأشكال مختلفة: يتعلم الطفل التمييز بين اللذة والألم، وبين الأمان والخوف، ثم يكبر ليكتشف تعقيدات العلاقات الإنسانية، وتفاوت القيم، وتناقضات الخير والشر. هنا، لا يعود الاكتشاف بيولوجيًا فحسب، بل يصبح إدراكيًا ونفسيًا؛ إذ يعيد الدماغ تنظيم خبراته باستمرار عبر ما يُعرف باللدونة العصبية، فيتغير فهم الإنسان للعالم كلما تراكمت تجاربه.
إن الحياة، من هذا المنظور، ليست سوى سلسلة متصلة من الاكتشافات الصادمة، التي تُعيد تشكيل وعينا وتدفعنا إلى التكيّف. نحن نكدّ ونجتهد، نحاول أن نفهم، وأن نؤوّل، وأن نُخفف من وطأة المفاجأة المستمرة التي يفرضها علينا الواقع. ومع ذلك، يظل الإنسان كائنًا يبحث عن معنى وسط هذا الفيض من التناقضات.
ثم، كما بدأت الرحلة في سكون، تنتهي إليه.
الموت يعيد الإنسان إلى حالة من الانقطاع عن المحفزات الحسية؛ فتتوقف الإشارات العصبية، ويخمد الوعي الذي ظل يقاوم صدمات الاكتشاف طوال الحياة. يعود الجسد إلى سكونه الأول، ولكن هذه المرة دون عودة بيولوجية للنشاط.
بين الرحم والقبر، تمتد رحلة الإنسان كقوسٍ مشدود بين سكينتين، تتخللهما عواصف من الإدراك والاكتشاف. إنها رحلة يبدأها الإنسان بلا وعي، ويخوضها بكامل إدراكه، ثم يغادرها تاركًا خلفه صدى تلك الصدمات التي صنعت منه ما كان عليه.
شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب.
