رحلة الحج.. روحانية ومشاعر بالأرض المقدسة

 

محمد بن رامس الرواس

أنزل المولى- عز وجل- في مُحكم التنزيل أحكام فريضة الحج في سور: البقرة وآل عمران والمائدة والحج، إلى جانب ما بيّنه سبحانه وتعالى، للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، من تفاصيل الشعائر في هذه الفريضة العظيمة، بالتقرير العملي قولًا وفعلًا في حِجة الوداع، وفي هذه المقالة سأُركِّز على المعنى الروحي والمشاعر التي يجب أن تُصاحب الحاج في رحلته.

والبداية مع الإحرام الذي هو بلا شك إعلان عن استقلال المسلم الحاج عن كل ما هو خارجي مثل الملابس، والعادات، والترف، وحتى الجدال وغيره؛ حيث إنَّ البُعد النفسي هنا أنك لا تعود متلقيًا للمؤثرات من غير من أتيت للتضرع وتلجأ إليه وتدعوه؛ بل أنت حينها تكون مستقبلًا للتجليات الإلهية والموقف العظيم بعرفة. وهذه الحالة من التجرد تكسر سطوة الأنا التي غذتها المقارنات، فتصبح القيمة الذاتية مرتبطة بالعبودية لله الواحد الأحد الفرد الصمد لا بالظهور للناس.

واللباس الموحد في وضعية الإحرام باللون الأبيض لا مجال فيه للمقارنة أو التنافس أو الغيرة، الكل في مستوى واحد، مما يحرر النفس الذي فرضه أسلوب الحياة عليها.

والوعي بلحظات المشاعر الربانية في الحج مثل الرهبة في عرفة، والسكينة في الطواف، هي مشاعر وجودية عميقة لأنها تعبر عن حقيقة واحدة، أن المسلم لا يراقب حياته من خلال الناس؛ بل يعيش اللحظة بقلبه وبنفسه، مما يعيد الترميم الداخلي لروحه وقلبه.

سألتني ابنتي وأنا أراجع معها مقالتي: إلى أي حد يمكننا أن نقيس مشاعرنا في الحج؟ فأجبتها أن قوة المشاعر ومقياسها يكمنان في قوة ومدى التضرع لله عز وجل، فعندما يرفع الحاج يده بالدعاء، هو يفرغ عالمه الداخلي من الضجيج، فيشار بذلك، ويملأ نفسه باليقين، حيث إن هذا التضرع هو عملية تحرير للمشاعر يحسها حسب قوة ومدى تضرعه؛ فهو يعيد صياغة عواطفه ويجعلها تتجه نحو غاية أسمى، وهي تقربه من الله وابتغاؤه مرضاته وتلبيته لأمره، وهما سببا مجيئه للحج.

في الحج يستعيد المُسلم حريته من الماديات استعادة تامة، ويتحقق له ذلك من خلال الاعتراف بالضعف أمام الله عز وجل، الإنسان في موقف مشهود، فالمولى عز وجل أقرب ما يكون لعباده في عرفات، فعندما يعترف المسلم بضعفه أمام خالقه يصبح قويًا جدًا لأنه استعاد سيادته على قلبه وذهب إلى الطمأنينة واليقين بأن الله قريب قد سمع منه واستجاب له وسيحقق له مبتغاه عاجلًا أو آجلًا.

في الحج يصبح المسلم متفاعلًا في واقع روحاني عظيم؛ فقد جاء ليُرضي ربه لا ليُرضي أحدًا غيره؛ حيث إن الحج يعتبر كحالة تعافٍ من تراكم المشاعر المربكة في الحياة، إذ إن ماكينة الحياة المتسارعة في ظل الماديات قد تهندس مشاعرك لتجعلك مستهلكًا قلقًا، لكن الحج يهندس مشاعرك ليجعلك مؤمنًا حرًا تقيًا.

إنَّ الحج هو فرصة عظيمة حاسمة ليضع المسلم حدًا لضجيج العالم حوله وليستمع لصوت روحه الحقيقي مستهدفًا النجاة والفوز بالجنة، فقد جاء في رحلة تعينه للعودة إلى الأصل كيوم ولدته أمه، متحررًا من قيود الدنيا كلها.

الأكثر قراءة

z