فوزي عمار
"نوشیدن جام زهر"، هذه جملة بالفارسية وردت في خطاب آية الله علي الخميني عام 1988، وهو العام الذي وقفت فيه الحرب بين العراق وإيران بقرار من مجلس الأمن، الحرب التي استمرت لثماني سنوات.
كانت ترجمة الجملة وفحوى الخطاب التاريخي الشهير: "إن اتخاذ هذا القرار أشد مرارة من تجرع السم بالنسبة لي، لقد سلمت أمري لله ورضيت برضاه".
وبعد عقود من استلهام خطاب "تجرع السم" الذي رفعه الخميني كغطاء شرعي لقبول وقف إطلاق النار مع العراق، تعيش إيران اليوم لحظة أشبه بالمرآة المقلوبة.
الحرب آنذاك كانت مع جار عربي محدود الإمكانات، أما اليوم فمواجهة مفتوحة مع قوة عالمية عظمى، إسرائيل وأميركا وحلفاؤهما، تكاد تحول إيران إلى ركام إن لم يبادر قادتها إلى حل شبيه.
السؤال: هل يمتلك مجتبى خامنئي، ابن المرشد ووريثه الجرأة على تكرار مشهد والده الروحي؟ هل يتجرع هو الآخر كأس السم، لإنقاذ ما تبقى من نظام؟
اليوم، الوضع الإيراني مختلف تماماً. الحرب ليست مباراة دبابات وطائرات فقط، بل حرب استنزاف اقتصادي واجتماعي خانق. الاحتجاجات الداخلية تتصاعد، الريال الإيراني ينهار، والبرنامج النووي لم يعد ورقة ضغط بل أصبح هدفاً يبرر التصفيات الجسدية لعلماء الذرة.
مجتبى، الذي يُقال إنه يدير الكثير من الملفات الأمنية والاستخبارية خلف الكواليس، يعرف أن الحل العسكري ضد إسرائيل مستحيل، وأن الرد الإيراني المرتقب على أي استهداف سيكون مجرد إظهار للقوة دون إحداث أثر استراتيجي. لذلك، قد يكون الحل الأقل ضرراً هو الانسحاب الذكي من دائرة التصعيد، حتى لو كان ثمنه تجريد إيران من قدراتها النووية الحساسة تحت إشراف طرف ثالث مُحايد، مثل روسيا أو الصين، لحفظ ماء الوجه وتجنب صفة الاستسلام.
"تجرع السم" ليس حالة من الضعف، بل كما صاغها الخميني، كانت سياسة عاقلة جنت على إيران استقراراً نسبياً بعد ثماني سنوات من الموت والفقر.
اليوم مجتبى، إن أراد أن يكتب اسمه في سجل البقاء لا الانتحار السياسي، يحتاج إلى جرعة أكبر من الوعي، أن يسلم ملف التخصيب إلى دولة محايدة، وأن يُعلن وقفاً شاملاً للعداء مع جيرانه العرب والعالم. السم قد يكون مُراً، لكنه سينقذ النظام من خانقة تهدد وجوده ذاته.
