فوزي عمار
في مشهد سياسي متقلب ومفاجئ، يقفز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تهديد إيران بإعادتها إلى العصر الحجري إلى وعدها بأنها ستزدهر، في إطار ما يُروّج له على أنه الصفقة الكبرى، وهذا ما قاله نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس حرفيًا.
هذا التحول الدراماتيكي في الخطاب لا يعكس فقط براغماتية أمريكية مفرطة، بل يكشف عن فراغ استراتيجي عربي في لحظة حاسمة. تطرح التساؤلات نفسها: هل تتجه أمريكا وإيران إلى تقاسم مضيق هرمز؟ المؤشرات لا تؤكد ذلك، لكن السيناريو ليس مستحيلًا في ظل انسحاب أمريكي تدريجي من دور الشرطي الوحيد للخليج، والتوجّه نحو تفاهمات مع طهران تحفظ للملاحة الدولية أمنها دون استبعاد إيران من المعادلة. التقاسم غير المعلن قد يكون هو الصفقة الحقيقية.
المنطقة اليوم تعيش سباق ثلاثة مشاريع كبرى: المشروع الإسرائيلي الذي يستخدم القوة المفرطة لإعادة هيبته بعد أن فشل في كسر إيران عسكريًا، والمشروع الإيراني الذي يمتد من طهران إلى البحر المتوسط عبر وكلاء وميليشيات، والمشروع التركي الذي يعيد صوغ نفوذه في العمق العربي. في مقابل هذه المشاريع الثلاثة، لا يوجد مشروع عربي طموح، بل ردود فعل وتفكك وخلافات.
أو ربما الأفضل أن نقول: حرب اللامشروع في غياب المشروع؛ باعتبار مشروع إيران وإسرائيل غير شرعي وغير قانوني، فهو لا مشروع، بينما غاب المشروع العربي، وهو قانوني ومشروع.
لقد تحوَّل الانقسام الخليجي من أزمة سياسية إلى انكسار في التحالفات.
لم تخسر إسرائيل حربها مع إيران ميدانيًا بالكامل، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها. وكعادتها، صبّت جام غضبها على لبنان، تاركةً إياه وحيدًا يواجه هجومًا همجيًا لا علاقة له بميزان القوى بقدر ما هو عقاب جماعي وانتقام رمزي. لبنان يدفع ثمن غياب المشروع العربي أكثر من أي دولة أخرى. عندما تغيب الرؤية العربية الجامعة، تصبح المنطقة ساحة لمشاريع الآخرين.
وحرب المشاريع لن تنتهي إلا عندما يولد مشروع عربي نهضوي يحمي شعوبه، ويواجه التحديات، ويعيد تعريف المصالح دون وصاية أو تفكك. أما اليوم، فنحن نشهد حرب اللامشروع بلا مشروع.
