السفينة سلطانة وحادثة السفينة الأمريكية بيكوك في جزيرة مصيرة

 

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

 

بتاريخ 14 / 8 / 2018م قمت بزيارة منزل عبداللطيف بن جمعة البلوشي، حيث يوجد في منزله خبر يتعلق بحادثة السفينة الأمريكية «بيكوك» منشور في صحيفة قديمة ومعلق على أحد جدران منزله الذي حوّل جزءاً منه إلى متحف أطلق عليه اسم «بيت آدم».

وقد كان ذلك الخبر نقطة البداية التي دفعتني إلى البحث والتقصي حول هذه الحادثة، خاصة أن بعض الكتابات التي تناولت رحلة السفينة العُمانية «سلطانة» إلى الولايات المتحدة الأمريكية أشارت إليها بصورة عابرة دون التوسع في تفاصيلها. ومن بين تلك الكتابات ما أورده أحد الباحثين البحرينيين عندما تحدث عن السفينة «سلطانة» ورحلتها الشهيرة إلى نيويورك، إلا أنه عندما وصل إلى الجزء المتعلق بجزيرة مصيرة اكتفى بالقول: «لا يوجد مجال الآن لذكر تفاصيلها»، لينتهي الحديث عند هذا الحد، وتبقى الكثير من التساؤلات دون إجابة.

ومنذ عام 2018م وحتى عام 2026م ظل البحث مستمراً لمعرفة ما جرى للسفينة الأمريكية «بيكوك» في سواحل جزيرة مصيرة، وكيف ارتبطت تلك الحادثة بالسفينة العُمانية «سلطانة» التي ذاع صيتها لاحقاً بوصفها أول سفينة عربية تحمل بعثة دبلوماسية رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وكما يقول العالم والفيلسوف المصري علي سامي النشار: «لابد للباحث من حذر كبير، ولابد له كذلك من قراءة ناقدة واعية، كما يلزمه قدر من التحفظ والدقة يكفي لتمكينه من التمييز بين الأشياء وفهم المصطلحات وتخصيص الأسماء بمدلولاتها التاريخية». ولذلك فإن أي محاولة لقراءة هذا الحدث التاريخي تستوجب العودة إلى المصادر والوثائق وربط الوقائع ببعضها للوصول إلى صورة أقرب إلى الحقيقة التاريخية.

وخلال النصف الأول من القرن التاسع عشر كانت عُمان في عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي قوة بحرية وتجارية بارزة في المحيط الهندي، تمتد علاقاتها من سواحل شرق أفريقيا إلى الهند والخليج العربي. وكانت السفن العُمانية تجوب البحار وتحمل البضائع والمسافرين، فيما شكلت الموانئ العُمانية محطات مهمة على طرق التجارة الدولية. وفي هذا المشهد البحري كانت جزيرة مصيرة تحتل موقعاً استراتيجياً مهماً، إذ تقع على واحد من أهم المسارات البحرية التي تربط المحيط الهندي ببحر العرب والخليج العربي. وقد عُرفت الجزيرة لدى البحارة وربابنة السفن منذ قرون طويلة، وكانت تشكل علامة ملاحية مهمة للسفن العابرة بين الشرق والغرب.

وفي تلك الفترة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى توسيع علاقاتها التجارية في آسيا والمحيط الهندي، فأرسلت عدداً من السفن الحربية والاستكشافية إلى المنطقة، ومن بينها السفينة الحربية الأمريكية «يو إس إس بيكوك» التي كانت تعد من أشهر السفن الأمريكية في ذلك العصر. وقد شاركت في مهمات بحرية طويلة شملت الصين والهند والمحيط الهندي، وحملت على متنها تجهيزات بحرية متقدمة قياساً بزمانها. وخلال إحدى رحلاتها عام 1835م تعرضت السفينة لحادثة بحرية بالقرب من جزيرة مصيرة عندما جنحت على الشعاب البحرية الواقعة في المنطقة، وهي شعاب عُرفت بصعوبتها وخطورتها نتيجة التيارات البحرية القوية والرياح الموسمية التي تؤثر في الملاحة حول الجزيرة.

وقد وضعت هذه الحادثة طاقم السفينة الأمريكية في موقف بالغ الصعوبة، الأمر الذي استدعى طلب المساعدة من مسقط. وتشير الروايات التاريخية إلى أن السلطان سعيد بن سلطان استجاب بسرعة لهذا النداء، وأمر بتقديم العون اللازم للبحارة الأمريكيين. وقد أرسلت سفن عُمانية ومؤن ومعدات للمساهمة في عمليات الإنقاذ وتخفيف آثار الحادثة، في موقف يعكس ما عُرفت به عُمان من تقاليد بحرية قائمة على النجدة والتعاون الإنساني مع السفن التي تتعرض للمخاطر في البحار.

وفي خضم هذه الأحداث برز اسم السفينة العُمانية «سلطانة»، وهي واحدة من السفن المهمة التابعة للسلطان سعيد بن سلطان. وتشير بعض المصادر إلى أن «سلطانة» كانت من السفن التي ارتبطت بعمليات الدعم والمساندة المقدمة للأمريكيين عقب حادثة «بيكوك». وإذا صحت هذه الروايات فإن ذلك يمنح السفينة «سلطانة» بعداً تاريخياً إضافياً يتجاوز رحلتها الشهيرة إلى نيويورك، إذ تصبح جزءاً من حدث أسهم في بناء جسور الثقة بين عُمان والولايات المتحدة الأمريكية قبل سنوات من انطلاق أول بعثة دبلوماسية عربية إلى الأراضي الأمريكية.

لقد تركت المساعدة العُمانية أثراً إيجابياً لدى الأمريكيين، ليس فقط بسبب سرعة الاستجابة، بل لأنها جاءت في ظروف بحرية معقدة وفي منطقة بعيدة عن المراكز الرئيسية للنفوذ الأمريكي آنذاك. وقد أسهم هذا الموقف في تعزيز صورة السلطان سعيد بن سلطان ودولته لدى الدوائر الأمريكية، كما رسخ انطباعاً إيجابياً عن البحارة العُمانيين وقدراتهم وخبراتهم في الملاحة والإنقاذ البحري.

وبعد نحو خمس سنوات من تلك الحادثة انطلقت السفينة «سلطانة» في رحلتها التاريخية إلى نيويورك عام 1840م حاملة المبعوث العُماني أحمد بن نعمان الكعبي، في أول بعثة دبلوماسية عربية رسمية تصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد حظيت الرحلة باهتمام واسع من الصحافة الأمريكية، وجرى استقبال السفينة وطاقمها بحفاوة كبيرة. وربما لم تكن «سلطانة» مجهولة تماماً لدى بعض الأمريكيين في ذلك الوقت، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما تركته حادثة «بيكوك» من أثر إيجابي في الذاكرة الأمريكية، وما ارتبط بها من مواقف إنسانية ودبلوماسية جسدت روح التعاون بين البلدين.

ومن هنا يمكن القول إن شهرة السفينة «سلطانة» لم تبدأ فقط عند دخولها ميناء نيويورك عام 1840م، وإنما سبقتها أحداث ومواقف أسهمت في بناء سمعتها البحرية، وكان من أبرزها ارتباطها بحادثة السفينة الأمريكية «بيكوك» بالقرب من جزيرة مصيرة عام 1835م. كما أن هذه الحادثة تكشف جانباً مهماً من الدور الذي لعبته جزيرة مصيرة في تاريخ الملاحة الدولية، فهي لم تكن مجرد جزيرة تقع في بحر العرب، بل كانت شاهدة على أحداث بحرية ربطت بين عُمان والولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة مبكرة من تاريخ العلاقات بين البلدين.

ولا يزال هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد من البحث في الوثائق العُمانية والأمريكية والبريطانية، فربما تكشف السنوات القادمة تفاصيل جديدة حول حادثة «بيكوك» وما جرى في مياه مصيرة آنذاك، وحجم الدور الذي قامت به السفينة «سلطانة» في عمليات الإنقاذ والمساعدة. ومهما تكن النتائج التي قد تسفر عنها الدراسات المستقبلية، فإن الثابت أن جزيرة مصيرة كانت حاضرة في واحدة من الوقائع البحرية التي سبقت حدثاً دبلوماسياً مهماً في تاريخ عُمان الحديث.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z