د. سالم بن حسن الشنفري
الدول الحديثة لا تقيس وضع المتقاعد بحجم المعاش التقاعدي أو الامتيازات المالية فقط، بل تنظر للمتقاعد باعتباره معيارًا أخلاقيًّا وحضاريًّا يعكس مدى احترام الدولة للإنسان بعد سنوات عطائه الطويل؛ فالموظف الذي أمضى عمره في خدمة وطنه لا ينبغي أن يشعر لحظة تقاعده، وكأنه غادر دائرة الاهتمام أو فقد مكانته الاجتماعية؛ بل إنّ المرحلة التي تلي التقاعد يفترض أن تكون امتدادًا للتقدير، وانتقالًا إلى مرحلة جديدة من المشاركة المجتمعية والاستفادة من المهارات والمعارف والخبرات المتراكمة.
ففي اليابان، تُعد الخبرة التراكمية لكبار السن جزءًا من رأس المال البشري الوطني، ولذلك تستثمر المؤسسات الحكومية والخاصة في توظيف المتقاعدين كمستشارين ومدربين وخبراء، حفاظًا على المعرفة المؤسسية وضمانًا لاستمرار الجودة. أما في الدول الإسكندنافية، فقد توسع مفهوم الحماية الاجتماعية ليشمل جودة الحياة النفسية والصحية للمتقاعد، من خلال تسهيلات خدمية خاصة، وبرامج اندماج اجتماعي، ورعاية صحية مرنة تحفظ للإنسان كرامته واستقلاليته. وفي ألمانيا وكندا وسنغافورة، تتجه السياسات العامة نحو بناء بيئة صديقة لكبار السن، بحيث تصبح الخدمات الحكومية والمرافق العامة والأنظمة الرقمية أكثر سهولة ووضوحًا لهذه الفئة، إدراكًا بأن احترام المتقاعد لا يكون بالشعارات، بل بتصميم الأنظمة بطريقة تراعي احتياجاته وتخفف عنه مشقة الإجراءات وتعقيدات الحياة اليومية.
هذه النماذج العالمية تؤكد أن قيمة الإنسان لا تنتهي بانتهاء وظيفته، وأن الدول الذكية لا تُهدر خبرات من خدموها لعقود طويلة؛ فالمتقاعد ليس عبئًا ماليًّا، كما تحاول بعض النظرات الضيقة تصويره، بل رصيد وطني يمتلك من التجربة والمعرفة ما لا توفره الكتب والدورات التدريبية، ولذلك، فإنّ كثيرًا من الاقتصادات المتقدمة تتعامل مع المتقاعدين باعتبارهم جزءًا من القوة الناعمة للدولة، ومصدرًا للاستقرار المجتمعي وجسرًا لنقل الخبرات بين الأجيال.
ولعلّ الجانب الأهم في هذا السياق هو البُعد الثقافي؛ فالمجتمع الذي يربط قيمة الإنسان بمنصبه فقط، مجتمع يختزل الكرامة في السلطة المؤقتة، بينما المجتمعات الناضجة تنظر إلى المتقاعد بوصفه "صاحب تجربة" لا "موظفًا سابقًا"، وهذا الوعي لا تصنعه القوانين وحدها، بل يحتاج إلى خطاب؛ إعلامي، وتعليمي، وثقافي، توعوي يعزز احترام رواد الخدمة السابقين، ويغرس في الأجيال الجديدة قيمة الوفاء لمن ساهموا في بناء المؤسسات وصناعة الاستقرار.
إنّ من أفضل الممارسات التي يمكن الاستفادة منها عالميًّا إنشاء مجالس أو مراكز وطنية للخبرات المتقاعدة، تضم الكفاءات السابقة في الإدارة، والتعليم، والقضاء، والهندسة، والاقتصاد، والقطاع العسكري، فيُستفاد منهم في تقديم المشورة والتدريب ونقل المعرفة، كما يمكن التوسع في منح المتقاعدين أولوية في بعض الخدمات الحكومية، وإعفاءات ضريبية، وخصومات على خدمات النقل والمرافق العامة والترفيهية، وبطاقات تخفيض على مشترياتهم، وتوفير برامج تأهيلية للراغبين في العمل الجزئي أو التطوعي بعد التقاعد؛ بما يعزز شعورهم بالاندماج والاستمرار.
لذلك من الأهمية بمكان الحفاظ على منافع المتقاعدين وعدم المساس بها، فإن أي إجراء يؤدي إلى سحب أو تقليص منفعة المتقاعد، مهما بدا كبيرا أو محدودًا في الحسابات المالية، يترك أثرًا معنويًا واجتماعيًّا عميقًا لدى هذه الفئة التي أفنت سنوات عمرها في خدمة الوطن؛ فالمسألة لا تتعلق بتراجع الحكومة الجزئي عن قرارها بمنح مبلغ الـ115 ريالًا عُمانيًا لشريحة محدودة ممن تزيد معاشاتهم عن 1250 ريالًا عُمانيًا فحسب، بقدر ما تتعلق بالإحساس بالأمان والاستقرار والوفاء واحترام الحكومة لقراراتها، ولعلّ من الأجدى والأصوب أن تُدمج منفعة كبار السن البالغة 115 ريالًا ضمن المعاشات التقاعدية كزيادة دائمة تُقرّ لمرة واحدة، وهذا سيُجنب الحكومة حالة الجدل المُتكرِّر المصاحبة للتعديل اللاحق عليها، خصوصًا أن كثيرًا من الأسر رتبت أوضاعها المالية والتزاماتها الحياتية استنادًا إلى هذا الدخل بوصفه جزءًا من استقرارها المعيشي كحق مكتسب قانونًا؛ إذ إن أي قرار يمس الحقوق الاجتماعية للمواطن المتقاعد ينبغي أن يستند إلى دراسات واضحة تراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وأن يُناقش عبر القنوات التشريعية المختصة، لا أن يأتي بصورة مفاجئة تربك حياة رواد الخدمة السابقين وتزرع القلق في نفوسهم، والأهم أن تلك المنفعة تسد الفاقة، وتُسهم في تنشيط الحركة التجارية، وتدعم الاستقرار الأسري والمعيشي.
لذلك فإن السُلطات المتخصصة عليها أن تراعي الربحية الاجتماعية قبل الربحية الاقتصادية والوفرة المالية، وصون هذه المنافع يُعد تجسيدًا لمعنى الوفاء الاجتماعي، فحين يشعر المتقاعد أن السلطة المختصة تحفظ مكانته بعد سنوات العطاء، وأن جهده لم يُنس مع مرور السنوات، عندئذٍ لن تتحول مرحلة التقاعد إلى مصدر قلق أو شعور بالتراجع المعنوي وعدم الرضا إثر ارتجال في اتخاذ القرار، حتى لا يخسر المجتمع جزءًا من ثقافة الوفاء والانتماء.
وعليه، فإن العدالة الاجتماعية كذلك تقتضي المساواة بين المتقاعدين في مختلف صناديق الأمان الاجتماعي المدنية والعسكرية، لا سيّما فيما يتعلق بعلاوات غلاء المعيشة السنوي المرتبط بالتضخم المعيشي والمتغيرات الاقتصادية، كونها حقًّا مكتسبًا لجميع المتقاعدين، بغض النظر عن السقف الأعلى للمعاش التقاعدي، بصفة المتقاعدين شركاء ومتساوين في الحقوق والواجبات فالمتقاعد لم يصل إلى هذه المرحلة من فراغ، بل إنه قد أمضى سنوات عمره بين الجهد الفكري والبدني، مساهمًا في بناء مؤسسات الوطن وخدمة المجتمع بإخلاص ومسؤولية، كما أنه ظل طول سنوات خدمته يُقتطع من دخله الشهري مبلغًا، هو أحوج إليه في حينه، وذلك دعمًا لصناديق الأمان الاجتماعي، إيمانًا منه بأنها تمثل ضمانة كريمة لمرحلة ما بعد العطاء، لا التزامًا ماليًّا مؤقتًا قابلًا للتغيير، وإن الزيادات السنوية للمعاشات التقاعدية، لكافة منسوبي صناديق الأمان الاجتماعي حق منتظر؛ لينعم الكل بالحياة ورغد العيش الكريم في ظل نهضة عُمان المتجددة المباركة بقيادة سلطان البلاد المفدى هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله.
وفي النهاية.. فإنّ الانتماء للوطن يزداد قوة ومتانة حينما يعامل أولئك الذين شاركوا في بناء صروحه، كبداية قصة، وذاكرة وطن، وخبرة حياة، وحقوقهم المكتسبة مُصانة ومكفولة، وفي تقدم وازدهار في ظل التشريعات السائدة والثقافة المجتمعية، وليتذكر من هو على كرسي السلطة أن مآله الى التقاعد ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ...﴾ [الزلزلة: 7-8] أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه»، وفي ذلك دعوة صريحة للإحسان إليهم ومعاملتهم بالاحترام واللطف.
