"القبول الموحد" بين النسبة والمهارة

 

 

 

 

صالح الغافري

 

التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل عُمان، لكنه يواجه تحديات تتطلب إعادة صياغة متجددة تربط بين الموهبة والعمل المنتج. حيث يعد التعليم الركيزة الأساسية لبناء الإنسان، غير أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل؛ حيث نجد آلاف الخريجين بلا فرص نتيجة تشبع السوق ببعض التخصصات مقابل نقص في أخرى يحتاجها الاقتصاد الوطني.

هذا الوضع انعكاس لإشكاليات في التخطيط التربوي والاقتصادي، ومن هنا تأتي الحاجة إلى التحول في التعليم من إنتاج الشهادات إلى صناعة القدرات، بحيث يصبح للتعليم مسارات متنوعة تكتشف فيها المواهب لدى الطلبة منذ المدرسة وتصقل بالتوجيه المهني لتتحول إلى قوة عمل وطنية فاعلة.

لقد وضعت رؤية "عُمان 2040" التعليمَ والموارد البشرية في صميم التنمية، ونصت على بناء نظام تعليمي شامل ومستدام يقود إلى مجتمع معرفي ويربط المخرجات بسوق العمل لضمان قدرات وطنية منافسة. وفي الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في يناير 2022، تأكيد على أن التعليم والبحث العلمي والابتكار سيكون في سلم الأولويات الوطنية باعتباره الأساس لبناء المرحلة المقبلة. وانطلاقًا من ذلك يصبح من الضروري أن يُصنف التعليم منذ البداية إلى مسارات واضحة تشمل الأكاديمي بما فيه العلمي والإنساني، والتقني والفني والصناعي، والرياضي عبر الأكاديميات والأندية، والكشفي الذي يُؤهل الطالب ذو الحس القيادي لقيادة الوحدات الكشفية بعد التأهيل القيادي ليخفف الأعباء عن المعلم، والزراعي الذي يواكب تقنيات الزراعة الحديثة، والاقتصادي الذي يفتح فرص ريادة الأعمال. هذه المسارات ليست مجرد عناوين نظرية، بل ترتبط بفرص عملية واضحة مرتبطة بسوق العمل، وبذلك تتحول المواهب إلى وظائف حقيقية بجانب المسار الأكاديمي.

المدرسة ليست مكانًا لتلقين الدروس فقط، وإنما مركز لاكتشاف المواهب بجميع أشكالها، والطلبة قد يتفوقون علميًا وأكاديميًا، بينما آخرون يبرزون من خلال موهبة أو حرفة أو صنعة، وهؤلاء يحتاجون إلى صقل ورعاية ليصبحوا جزءًا من قوة العمل الوطنية. والموهبة إذا لم تتحول إلى قدرة عملية تبقى مجرد استعداد داخلي، أما حين تُصقل بالتدريب والتوجيه فإنها تصبح طاقة إنتاجية تسهم في بناء الوطن. التعليم عبر المشاريع يمثل منهجًا حديثًا يربط المعرفة بالتطبيق العملي، حيث يتعلم الطلبة من خلال تنفيذ مشروع واقعي يكتسبون فيه مهارات التفكير والعمل الجماعي ويخرجون بنتيجة ملموسة مرتبطة بالحياة وسوق العمل. وفي ظل هذه المسارات، تتجلى العلاقة التكاملية في بناء شخصية الطالب حين يجد ولي الأمر طريقًا واضحًا لصقل الموهبة، فيكون معول بناء للوطن بدلًا من أن تُهمل هذه الطاقات.

حديثًا اتخذت سلطنة عُمان خطوة استراتيجية باستحداث وزارة التعليم لتجمع تحت مظلتها التعليم المدرسي والتعليم العالي، في محاولة جادة لتقليص الفجوة بين المخرجات وسوق العمل. كما أن التوجه نحو التعليم الرقمي والبرامج المدمجة يعكس إدراكًا لأهمية مواكبة العصر وتزويد الطلبة بمهارات المستقبل. ورغم أن المدارس اليوم تزخر بالأنشطة والمسابقات التي تكشف عن مواهب الطلبة، إلا أن هذه الجهود غالبًا ما تتوقف بانتهاء الفعالية أو المسابقة فلا تجد طريقها إلى الاستمرارية أو التوظيف العملي. المطلوب أن تتحول هذه الاكتشافات إلى مسارات مستدامة تتابع بشكل منهجي عبر التوجيه المهني، بحيث يُصقل الطلبة في مجالاتهم الطبيعية ويُهيأون منذ الصغر ليكونوا جزءًا من منظومة عمل وطنية تخدم الاقتصاد والمجتمع. وهذا الاهتمام يشمل الطلبة جميعًا، ذكورًا وإناثًا؛ حيث إن الطالبات أيضًا يمتلكن مواهب ومهارات تكمل منظومة بناء الإنسان.

إنَّ بناء الإنسان لا يتحقق بالمسار الأكاديمي وحده؛ بل يحتاج إلى تكامل مع المسارات المهنية والتقنية والفنية والصناعية والرياضية والزراعية والاقتصادية. الاهتمام بالأعمال المهنية يجب أن يكون على قدر الاهتمام بالأعمال الأكاديمية؛ لأن كلاهما يسهم في تنويع الاقتصاد الوطني ويعزز قدرة المجتمع على تحقيق أهدافه المستقبلية. التعليم المصنف منذ المراحل المبكرة هو الطريق الأمثل لاكتشاف المواهب وصقلها وتحويلها إلى قدرات عملية تخدم الوطن.

ورغم وجود الكليات والمعاهد المهنية كخطوة مهمة نحو تعزيز التعليم التطبيقي، إلا أن الجامعات والكليات الحكومية ما زال القبول فيها مرتبطًا بالنسبة المئوية ودرجات المواد عبر نظام القبول الموحد، وهو ما يحد من قدرة الطلبة الموهوبين عمليًا على الالتحاق ببعض التخصصات.

في المقابل، تتيح المعاهد المهنية فرصًا أوسع عبر التسجيل المباشر، مما يعزز الاهتمام بالمهارة العملية منذ الصغر. ومع ذلك يبقى التحدي قائمًا حين يكتشف الطالب موهبة واضحة ويصقلها طوال سنوات دراسته، لكنه عند الانتقال إلى التعليم الجامعي لا يجد مسارًا يحتضن هذه الموهبة أو يترجمها إلى تخصص يخدم الاقتصاد الوطني.

ولا شك أن تطوير آليات قبول موازية تراعي التوازن بين النسبة والمهارة، مع تسخير الإمكانات والورش والمعاهد، سيُسهم في تحويل هذه الطاقات إلى وظائف إنتاجية حقيقية. ومن هنا تأتي أهمية ربط القبول الجامعي بقاعدة بيانات وطنية لمواهب الطلبة، ليصبح القبول امتدادًا لمسار تربوي طويل بدأ منذ المدرسة لا مجرد قرار مبني على المعدلات الدراسية. وبهذا الشكل يتحول التعليم من مجرد إنتاج شهادات إلى إنتاج تخصصات حقيقية تخدم الوطن، ويصبح الطلبة منذ البداية جزءًا من رؤية وطنية واضحة حيث يستثمرون في مجالاتهم الطبيعية ويسهمون في بناء وطن متنوع وقوي قادر على تحقيق أهدافه المستقبلية.

إنَّ مستقبل عُمان لن يُبنى بالشهادات وحدها، وإنما بالقدرات الحقيقية التي تُكتشف منذ المدرسة، وتُصقل بالأسرة، وتُحتضن في الكليات والمعاهد بآليات قبول مُنصِفة تُراعي الموهبة وتُحوِّلها إلى مهارة، لتتحول إلى قوة عمل وطنية تسهم في تحقيق رؤية "عُمان 2040".

الأكثر قراءة

z