يا عرب.. كفى الرِّهان على الحِصان الأعرج

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

منذُ آلاف السنين، والعرب أهلُ خيلٍ وفِراسة؛ عرفوا الحصان الأصيل من ثباته ساعة الغبار، ومن صبره في الميدان. ولم تكن الخيل عند العرب مجرّد دوابّ للركض، بل شرفًا يُورَّث وإرثًا عربيًّا عريقًا تُخلِّده قصائد الشعر منذ الجاهلية إلى اليوم. ولهذا ظلّت الخيل معيارًا للفِراسة، وميدانًا تُختبر فيه البصيرة قبل القوّة؛ فالعرب يعرفون أنّ الحصان الأعرج لا يُؤتمن في سباق، وأنّ الفرس المكسور لا يُحمَل عليه رهان.

لكنّ السؤال الذي يطرق العقل طرقًا موجعًا: إذا كان العرب يملكون كلّ هذه الخبرة في معرفة الخيل، فلماذا أخطأوا في معرفة الحلفاء؟

وكيف لأمّةٍ تُميّز الحصان الأصيل من نظرة أن تعجز عن تمييز الصديق من العدوّ عبر قرنٍ كاملٍ من الخيبات المتتالية؟

منذ سقوط الخلافة، والعالم العربي يسير خلف الغرب كأنّه قدرٌ لا يُراجَع؛ مرّة باسم الحماية، ومرّة باسم التنمية، ومرّة باسم السلام، وصولًا إلى شعاراتٍ تُباع كلَّ يومٍ بوجهٍ جديد. لكنّ الحصيلة بقيت واحدة: أوطانٌ مُجزّأة، ثرواتٌ مُستنزفة، جيوشٌ مُعطّلة، وشعوبٌ مُثقَلة بالخوف والديون والتبعيّة.

كلّ ذلك حدث بينما كانت الأنظمة تدفع المليارات، ظنًّا أنّ الغرب المتصهين سيمنحها الأمان والازدهار. غير أنّ التاريخ لم يُثبت إلا حقيقةً واحدة: أنّ القوى الكبرى لا ترى في هذه المنطقة إلا خزّانَ طاقة، وسوقَ سلاح، وممرّات نفوذ، وحدائق خلفيّة لمشاريعها السياسية والعسكرية.

وهنا يقف التاريخ متسائلًا:

ألم يرَ العرب ما جرى في العراق؟ وفي ليبيا؟ وفي أفغانستان؟ وفي سوريا؟ وفي غيرها من الدول التي دفعت أثمانًا قاسية للتدخلات الخارجية، فخرجت منها وقد أُنهكت بنيتُها السياسية والأمنية والاجتماعية؟

ومع ذلك.. لا يزال بعض الساسة العرب يتعاملون مع القوى الغربية الكبرى وكأنّها عواصمُ رحمةٍ لا عواصمُ نفوذ.

ثم جاءت غزّة.. لا لتكشف ضعف العالم فحسب، بل لتفضح زيفه كاملًا.

فضحت شعارات حقوق الإنسان، وعجز المؤسسات الدولية، وهشاشة التحالفات السياسية، وازدواجية المعايير التي طالما تغنّى بها الغرب أمام العالم.

آلاف الشهداء، ومدنٌ تُباد، وأطفالٌ يُحرَقون أمام عدسات البثّ المباشر، بينما القوى الكبرى تمدّ الكيان المحتل بالسلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي.

وفي المقابل، وقف أحرارٌ من مشارق الأرض ومغاربها تقديرًا لصمود غزّة، وإجلالًا لكلّ موقفٍ لم يركع للهيمنة أو يبع قراره السياسي، بينما سقط كثيرٌ من الخطاب العربي الرسمي في دائرة الصمت أو التردّد أو الاكتفاء ببياناتٍ باردة لا تُسمن ولا تُغني من كرامة.

لقد أثبتت غزّة أنّ الأزمة ليست في قلّة المال، ولا في نقص الرجال، ولا في ضيق الجغرافيا؛ بل في غياب القرار العربي الحُرّ، وفي غياب الإرادة التي لا تُشترى ولا تُباع.

وغزّة، وهي تُقاتل وحدها تحت النار والحصار، لم تكن تدافع عن أرضها فقط، بل كانت تكشف ميزان العالم المختلّ، وتفضح من يقف مع الحقّ قولًا ويخذله فعلًا.

ووسطَ زحمةِ الأحداث، يبرز سؤالٌ أكثرُ وجعًا من السياسة نفسها:

هل ما زالت غزّة حيّةً في القلوب، أم أنّ كثرةَ المشاهد دفعت بالبعض إلى سوق الغافلين، حتى بات الدم يُرى ولا يُوجِع، والخرابُ يُشاهَد ولا يُحرّك فينا شيئًا؟

أين معنى الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى؟

أم أنّ صخبَ الحياة الحديثة، وتتابعَ المآسي، وبرودةَ الشاشات، جعلت الإنسان يعتاد الوجع حتى صار خبرُ ارتقاءِ الشهيد عزّ الدين الحداد يمرّ على بعض القلوب كما تمرّ أخبارُ الأمس؛ يُتلى ثم يُطوى، لا يهزُّ ضميرًا، ولا يُوقظُ في القلب رجفةَ إنسان، حتى غدونا ـ إلّا من رحم الله ـ كأعجازِ نخلٍ خاوية، نرى الدمَ فلا نشعر أنّه من دمِنا، ونسمعُ أنينَ غزّة وكأنّه قادمٌ من عالمٍ لا يخصّنا.

فيا عرب.. كفى.

كفى رهانًا على الحصان الأعرج.

فالخيل تُعرف عند أوّل الميدان، لا بعد احتراق المضمار.

الأمم التي لا تتعلّم من التاريخ تُعيد السقوط في الحفرة نفسها، لكن بثمنٍ أكبر. ومن يضع أمنه واقتصاده وقراره بيد غيره، فلن يملك يومًا مصيره الحقيقي، مهما امتلك من المال، ومهما ارتفعت أبراجُه.

فالسياسة ليست مجاملة، والتحالفات ليست عواطف، والتاريخ لا يرحم الغافلين، أمّا سنن الله فلا تُحابِي أحدًا؛ فالظلم مهما طال عمره إلى زوال، والارتهان مهما تزيّن بشعارات الحداثة والاستقرار يبقى بابًا واسعًا للخوف والابتزاز والانكسار.

وهنا لا تُعفى الأنظمة من مسؤولية القرار، فهي التي تملك زمامَه وتوجّه مساره، أمّا الشعوبّ فكثيرٌ منها مُثقَلٌ بما لا تملك تغييره، مُستمعٌ أكثر من كونه مُقرِّرًا.

ومن هنا يمتدّ النداء..

لا للعتب وحده، بل لرفع الهمم في وجه صُنّاع القرار؛ لأنّ الأمّة التي لا تملك قرارها، ستبقى على هامش التاريخ مهما امتلكت من الثروة، ومهما ازدحمت فيها مظاهر الرفاه.

فالأمم لا يحميها المال حين يُستباح القرار، ولا تصونها التحالفات حين تُباع الإرادة، ولا يرفعها إلا موقفٌ حرٌّ لا ينحني للهيمنة، ولا يرتهن للتبعيّة المُذِلّة.

الأكثر قراءة

z