على الطاولة أم على قائمة الطعام؟!

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

بعد أن هدأ- ولو نسبيًا- جزءٌ من الصخب الذي أحدثه ترامب ونتنياهو في المنطقة، بفعل صمود وقدرة من وُجِّهت إليهم الضغوط والحروب، عادت بي الأحداث إلى واقعة لا يُمكن تجاهلها؛ فالعالم، يومًا بعد يوم، يكشف ملامحه الحقيقية بصورة أكثر وضوحًا، وتسقط الأقنعة التي طالما حاولت تقديم النظام الدولي بوصفه فضاءً للشراكة والتوازن والمصالح المتبادلة.

وفي منتدى دافوس الاقتصادي العالمي السادس والخمسين، الذي انعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير 2026 تحت شعار «روح الحوار»، وفي لحظة وصفها تقرير لصحيفة الجارديان البريطانية بأنها من أخطر اللحظات التي يمر بها النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتآكل ما تبقى من النظام الدولي القائم على القواعد؛ قال الاقتصادي الكندي مارك كارني، عبارته التي تحولت سريعًا إلى واحدة من أكثر العبارات اختصارًا ودقة في توصيف طبيعة العالم الراهن: «إذا لم تكن على الطاولة، فأنت على قائمة الطعام».

لم تصدر هذه العبارة عن ناشط غاضب، ولا عن خصم أيديولوجي للنظام الرأسمالي العالمي، ولا حتى عن ناقد هامشي يقف خارجه، بل صدرت- وهنا تكمن أهميتها- عن أحد أبرز وجوه المؤسسة الاقتصادية الدولية نفسها؛ إذ إن مارك كارني، الذي شغل سابقًا منصب محافظ بنك كندا ثم محافظ بنك إنجلترا، يُعد اليوم أحد أهم الوجوه الفكرية والمالية المرتبطة بمنظومة دافوس، ومن المشاركين فعليًا في صياغة اتجاهاتها الاقتصادية والسياسية.

هذه العبارة لا يمكن عدّها توصيفًا نظريًا أو بلاغيًا، وإنما تتعدى ذلك لتصبح تلخيصًا مكثفًا للفلسفة التي تحكم العلاقات الدولية المعاصرة؛ فلسفة تقوم على أن العالم يُدار بمنطق النفوذ والقوة والقدرة على فرض الحضور داخل دوائر القرار العالمي. فالدول والشعوب التي لا تمتلك أدوات التأثير، أو تعجز عن حماية مصالحها وبناء عناصر قوتها، لا تُعامل كشركاء متكافئين، بل تتحول تدريجيًا إلى ساحات مفتوحة للمساومات والضغوط وإعادة تشكيل الخرائط السياسية والاقتصادية وفق مصالح القوى الأكبر.

وفي هذا السياق، تبدو العبارة أقرب إلى اعتراف صريح يصدر من داخل المنظومة نفسها، لا من خارجها؛ اعتراف بأن العالم الذي يُرفع فيه خطاب “الشراكة الدولية” و“القانون الدولي” و“الاقتصاد الحُر”، ما يزال في جوهره خاضعًا لقانون أكثر بساطة وقسوة: إما أن تكون حاضرًا ومؤثرًا في صناعة القرار، أو تصبح موضوعًا لقرارات الآخرين ومصالحهم

ومع ذلك، فإن الصورة ليست بالبساطة التي قد تبدو عليها ظاهريًا؛ فحتى داخل تلك “الطاولة” نفسها، لا توجد وحدة متماسكة بالكامل، بل صراعات حادة وتنافسات عميقة بين القوى الكبرى، سواء بين الولايات المتحدة والصين، أو داخل المعسكر الغربي ذاته، أو بين مراكز المال والتكنولوجيا والطاقة. غير أن هذه التناقضات، رغم شدتها، لا تلغي حقيقة أن النظام الدولي ما زال يُدار بمنطق القوة، وأن موقع الدول داخله يتحدد أساسًا بقدرتها على التأثير لا بحقها الطبيعي في المشاركة.

لقد اختصر كارني، بعبارته هذه، مسارًا طويلًا من إعادة إنتاج الاستعمار بصيغته الحديثة؛ فالاستعمار لم يعد يحتاج دائمًا إلى جيوش تحتل المدن وترفع أعلامها فوق القصور والساحات، بل بات أكثر قدرة على التخفّي وأقل كلفة وأكثر فاعلية. إنه استعمار يتحكم بالقرار بدل الأرض، ويعيد تشكيل الخيارات الاقتصادية والسياسية والثقافية عبر أدوات تبدو في ظاهرها قانونية ومحايدة، بينما تؤدي عمليًا وظيفة الهيمنة ذاتها.

الدَّيْن الدولي، على سبيل المثال، تحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة لإعادة هندسة الاقتصادات وفرض السياسات، بدلًا من كونه أداة تمويل. والعقوبات الاقتصادية باتت تُستخدم كسلاح سياسي لإخضاع الدول وإعادة توجيه خياراتها. أما التكنولوجيا والمنصات الرقمية وسلاسل الإمداد العالمية، فقد أصبحت بدورها أدوات نفوذ لا تقل تأثيرًا عن القواعد العسكرية التقليدية. ومن يملك القدرة على التحكم بالمعلومات والرقائق الإلكترونية والطاقة والمال، يملك عمليًا قدرة هائلة على رسم حدود الحركة للآخرين.

الطاولة التي يتحدث عنها كارني ليست طاولة حوار متكافئ، بل فضاء مغلق تُحدَّد فيه القواعد مسبقًا. ومن يجلس عليها لا يجلس بصفته شريكًا متساويًا، بل بصفته مالكًا للقوة. أما من يُستبعد عنها، فلا يُترك وشأنه، بل يُعاد إدراجه داخل النظام باعتباره موضوعًا للإدارة أو الاحتواء؛ كسوق ناشئة، أو اقتصاد هش، أو منطقة نفوذ، أو ملف أمني يحتاج إلى “إدارة مخاطر”.

الاستعمار الجديد لا يفرض نفسه بالقوة الصلبة وحدها، وإن ظلت هذه القوة هي الضامن النهائي لكل شيء، بل يفرض نفسه أيضًا عبر مزيج معقد من القوة الناعمة والابتزاز الاقتصادي والسياسي. يُعرض عليك الاندماج في النظام بشروط غير قابلة للتفاوض، ويُقال لك إن البديل هو العزلة أو الانهيار. تُقدَّم القروض باعتبارها إنقاذًا، ثم تتحول إلى أدوات ضبط طويلة الأمد. وتُسوَّق الاتفاقيات غير المتكافئة باعتبارها فرصًا للتنمية، بينما تؤدي عمليًا إلى تكريس التبعية وإعادة إنتاج الاختلال نفسه.

وحين تفشل الدول الضعيفة في تحقيق “النجاح الموعود”، يُلام أداؤها الداخلي، بينما يُتجاهل النظام العالمي الذي صُمم أساسًا ليُبقيها في موقع التابع لا الشريك.

وهنا، تتحول مقولة «إما على الطاولة أو على قائمة الطعام» إلى ما يشبه قاعدة التشغيل الأساسية للنظام الدولي الراهن؛ فلا مكان فعليًا للحياد، ولا اعتراف بمن يقف خارج موازين القوة. ومن لا يملك أدوات التأثير، يُجرَّد تدريجيًا من قدرته على الرفض، ثم من قدرته على الاختيار، وأخيرًا من حقه في تعريف مصلحته بنفسه. وما أكثر أولئك الذين لا يملكون تلك الأدوات..

والأخطر من كل ذلك، ليس وجود هذا المنطق فحسب، بل تحوله إلى أمر طبيعي ومقبول. فعندما تُقال مثل هذه العبارة على منصة عالمية كبرى، وتُستقبل كتعبيرٍ واقعيٍ عن عالم اليوم، بدلًا من كونها فضيحة أخلاقية، فهذا يعني أن الافتراس نفسه قد أصبح عقلانية سياسية معترفًا بها.

وهنا يتغير السؤال المركزي في السياسة الدولية. إلى كيف يمكن النجاة داخل هذا النظام؟ بدلًا من سؤال هل أن هذا النظام عادل؟ وعند هذه النقطة بالذات، يُختزل الطموح السياسي من محاولة تغيير قواعد اللعبة إلى محاولة تحسين شروط البقاء داخلها.

ومع ذلك، فإن إدراك هذه الحقيقة لا يعني القبول بها أو الاستسلام لها. لكنه يكشف أن المعركة لم تعد مع استعمار تقليدي واضح المعالم يمكن تسميته ومواجهته بسهولة، بل مع منظومة أكثر تعقيدًا ومرونة، تتحدث بلغة الاستدامة والاستقرار والانفتاح، بينما تعيد إنتاج التفاوت نفسه بأدوات أكثر نعومة وأشد فاعلية.

وفي عالم يُقاد بهذه الطريقة، فإن الجلوس على الطاولة يظل هدفًا ناقصًا ما لم يُطرح السؤال الأهم: وهو من صنع هذه الطاولة أصلًا؟ ولماذا قُدِّر للعالم أن يُدار كقائمة طعام؟ وهل ينبغي للبشرية أن تبقى إلى ما لا نهاية رهينة لقواعد مائدة لا يملك معظم الجالسين حولها حق صياغة شروطها؟

العالم الذي تُدار علاقاته بمنطق المائدة، لن يعرف عدالة حقيقية ما دامت القوة وحدها هي التي تحدد من يجلس، ومن يُقدَّم طبقًا على الطاولة!

الأكثر قراءة

z