الكراهية لا تُستعار!

 

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

كثير من الناس يتركون عقولهم مفتوحة لكل صوت عابر، ولكل رأي يُقال بحماسة أو غضب أو كراهية، ثم يكتشفون بعد وقت طويل أنهم حملوا مشاعر لا تخصهم، وخاضوا معارك لم تبدأ منهم أصلًا، الإنسان الواعي لا يسمح لأحد أن يزرع داخله نفورًا تجاه شخص لم يؤذه، ولا يقبل أن يتحول إلى نسخة تردد أحكام الآخرين دون فهم أو تجربة حقيقية.

في حياتنا اليومية نسمع قصصًا كثيرة عن خلافات ومواقف وسوء تفاهم بين الناس، وبعض تلك الحكايات تُروى بطريقة تجعل المستمع ينحاز مباشرة لطرف دون أن يعرف الحقيقة كاملة، هناك من يملك قدرة كبيرة على التأثير بالكلمات؛ فيُصوِّر نفسه ضحية طوال الوقت، ويجعل من حوله يشعرون بالغضب تجاه شخص آخر لا يعرفونه أصلًا، ومع تكرار الحديث تبدأ الصورة بالتشكل داخل العقل، فيتحول الحياد إلى نفور، ثم يتحول النفور إلى موقف ثابت، وكل ذلك حدث دون تجربة شخصية واحدة.

المشكلة أن بعض الناس ينسون أن لكل قصة وجهين، وأن الحقيقة كثيرًا ما تضيع بين الانفعال والمبالغة والرغبة في كسب التعاطف، لذلك من الحكمة ألا تمنح مشاعرك بسهولة لكل من يطلبها، وألا تجعل قلبك ساحة لتصفية حسابات الآخرين، أنت لست مطالبًا أن تكره من يكرهونه، ولا أن تعادي من اختلفوا معه، فالعلاقات الإنسانية أعقد من أن تُختصر في رواية واحدة، وكم من شخص تعرض للظلم بسبب الشائعات أو الأحكام السريعة أو نقل الكلام بطريقة ناقصة، هناك من خسر أصدقاء وفرصًا واحترامًا لأن أحدهم قرر تشويه صورته أمام الآخرين، والأسوأ حين يشارك الناس في ذلك دون تفكير، فقط لأنهم وثقوا بمشاعر الراوي أكثر من بحثهم عن الحقيقة، لهذا يحتاج الإنسان إلى قدر من الوعي والاتزان قبل أن يتبنى أي موقف تجاه أحد.

العقل الناضج يعرف أن المشاكل الشخصية تبقى بين أصحابها، ولا ضرورة لتحويلها إلى عدوى تنتقل بين الناس، عندما يختلف شخصان، فهذا لا يعني أن الجميع يجب أن ينقسموا إلى معسكرات، الحياة أقصر من أن نستهلك مشاعرنا في خصومات لا تخصنا، وأهدأ من أن نملأها بالكراهية التي تُزرع داخلنا بالتدريج.

من الجميل أن تساند من تحب حين يمر بألم أو أزمة، لكن المساندة الحقيقية لا تعني أن تفقد قدرتك على التفكير المستقل، يمكنك أن تستمع، أن تتعاطف، أن تقدم الدعم، مع الاحتفاظ بحكمك الخاص وعدم التسرع في إدانة الآخرين، فالعاقل يسمع من الجميع، ويراقب الأفعال بنفسه، ثم يكوّن رأيه بناءً على ما يراه لا على ما يُلقن له.

أحيانًا يكتشف الإنسان بعد سنوات أن الشخص الذي كرهه لم يكن سيئًا كما صُوّر له، وأنه ابتعد عن أناس جيدين بسبب تأثير الآخرين عليه، تلك اللحظة تكون قاسية، لأن الإنسان يشعر أنه عاش مشاعر مزيفة، وسمح لأحدهم أن يقوده نحو أحكام لم تصدر من قلبه الحقيقي، لذلك من المهم أن يحافظ كل شخص على استقلاله الفكري والعاطفي، وألا يسلّم عقله لأي صوت مهما كان قريبًا منه.

والناس تتغير والظروف تتبدل، والخلافات تنتهي، بينما تبقى الأخلاق الحقيقية هي المعيار الأصدق، الشخص المحترم لا يطلب منك أن تحمل الكراهية نيابة عنه، ولا يدفعك لمعاداة الآخرين حتى تثبت ولاءك له، العلاقات الصحية تقوم على التفاهم والاحترام، لا على التحريض ونقل السلبية وزرع العداوات.

هناك فارق كبير بين الحذر من شخص أثبت أذاه، وبين كره إنسان فقط لأن أحدهم لا يرتاح له، التجارب الشخصية هي ما يمنح الأحكام قيمتها، أما المشاعر المستعارة فغالبًا تقود إلى ظلم لا يشعر به صاحبه إلا متأخرًا، لهذا من الضروري أن يبقى الإنسان متزنًا، يراقب بنفسه، ويحكم بعقله وقلبه معًا، ولا تسمح لأحد أن يعيد تشكيل مشاعرك وفق رغباته أو خلافاته الخاصة، حافظ على صفاء داخلك، ولا تجعل الكراهية تدخل قلبك بسهولة، فمشاكل الآخرين تخصهم، وتجاربهم لا تمثل حقيقتك أنت، عش بعقلك، وانظر للناس بعينك أنت؛ فالحياة تصبح أجمل حين نبني مواقفنا على الوعي والعدل، لا على تأثير الآخرين وغضبهم المؤقت.

الأكثر قراءة

z