دفءٌ لا يُنسى

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

تواصل سلطنة عُمان ترسيخ نموذجها الإنساني والاجتماعي القائم على رعاية الإنسان والاهتمام بكرامته في مختلف مراحل حياته، عبر منظومة متكاملة من الخدمات والمبادرات التي تستهدف تعزيز الاستقرار المجتمعي وصون القيم الأصيلة التي عُرف بها المجتمع العُماني منذ القدم، ويأتي الاهتمام بكبار السن في مقدمة هذه الأولويات، تقديرًا لما قدموه من عطاء طويل في خدمة الوطن والمجتمع، وإيمانًا بمكانتهم الكبيرة داخل الأسرة العُمانية.

وفي هذا الإطار الإنساني، جاءت مبادرة "بركة الدار" التي احتضنتها دار الرعاية الاجتماعية بولاية الرستاق، التابعة للمديرية العامة للتنمية الاجتماعية بمحافظة جنوب الباطنة، لتقدم صورة مشرقة من صور التكاتف المجتمعي، ولتعكس حجم العناية التي تحظى بها هذه الفئة من مختلف المؤسسات الرسمية والمجتمعية والخاصة.

وتأتي هذه الزيارة في إطار الخدمة والشراكة المجتمعية التي تطلقها شركة بورصة مسقط بالشراكة مع مبادرة مجلس صحار الثقافي والتي حملت أبعادًا إنسانية عميقة، إذ لم تكن مجرد فعالية عابرة، وإنما مساحة للتواصل الصادق مع كبار السن، وفرصة لزرع البهجة في نفوسهم، وإشعارهم بقيمتهم الكبيرة ومكانتهم الراسخة في المجتمع، وقد استقبل الوفدَ الزائرَ الفاضلَ الأستاذُ عيسى بن جمعة الريامي، المديرُ العام المساعد بالمديرية العامة للتنمية الاجتماعية بمحافظة جنوب الباطنة، ومشرفة الدار الأستاذة رقية اليعربية، والى جانب بعض الأخصائيين، حيث عبروا عن ترحيبهم بهذه المبادرة التي تعزز مفاهيم الرحمة والتراحم والتقارب الإنساني.

ومنذ اللحظات الأولى للزيارة، بدت أجواء الألفة واضحة في تفاصيل اللقاء، حيث اختلطت الابتسامات بالأحاديث الودية والذكريات التي استعادها نزلاء الدار مع ضيوفهم، وشهدت الفعالية تفاعلًا لافتًا من كبار السن مع البرامج الثقافية والترفيهية التي أُعدت بعناية لتناسب اهتماماتهم وأعمارهم، فتنوعت الفقرات بين المسابقات الخفيفة والأنشطة الأدبية والثقافية التي أضفت على المكان روحًا من الحيوية والدفء.

كما حرص القائمون على المبادرة على أن تكون الزيارة أقرب إلى لقاء عائلي يحمل معاني التقدير والاحترام، وهو ما انعكس بوضوح على مشاعر السعادة التي ارتسمت على وجوه النزلاء طوال ساعات الفعالية، وتضمنت الزيارة توزيع هدايا رمزية حملت رسائل محبة وامتنان لهذه الفئة التي تمثل ذاكرة المجتمع وخبرته المتراكمة، وخلال الجلسات الودية التي جمعت الوفد بالنزلاء، تبادل الجميع الأحاديث والتجارب الحياتية، في مشهد إنساني مؤثر جسّد قيمة التواصل بين الأجيال، وقد عبّر عدد من نزلاء الدار عن سعادتهم الكبيرة بهذه اللفتة الإنسانية، مؤكدين أن مثل هذه الزيارات تمنحهم شعورًا بالاهتمام والقرب من المجتمع، وتترك أثرًا نفسيًا إيجابيًا يبعث الطمأنينة والراحة في نفوسهم.

اللافت خلال الزيارة حجم الرعاية المتكاملة التي تقدمها وزارة التنمية الاجتماعية لنزلاء الدار، حيث لمس المشاركون مستوى العناية الصحية والاجتماعية والنفسية المقدمة على مدار الساعة، فالدار تضم مرافق متخصصة للعلاج الطبيعي، وعيادة لمتابعة الحالات الصحية، إلى جانب فرق عمل تسهر على تلبية احتياجات النزلاء اليومية وتوفير مختلف سبل الراحة لهم في بيئة إنسانية متكاملة.

ومن يزور دار الرعاية الاجتماعية بالرستاق يدرك حجم الجهود الكبيرة التي تبذلها الكوادر المشرفة على هذه الخدمات، حيث يظهر الإخلاص واضحًا في تفاصيل العمل اليومي، وفي الحرص المستمر على تطوير مستوى الخدمة وتقديم أفضل رعاية ممكنة للنزلاء، ويبرز هنا الحس الإنساني العالي لدى العاملين، الذين يتعاملون مع كبار السن بروح الأبناء تجاه آبائهم وأمهاتهم، مستشعرين عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

وتؤكد التجربة العُمانية في هذا الجانب أن دور الرعاية الاجتماعية في السلطنة تمثل خيارًا إنسانيًا للحالات التي تحتاج فعلًا إلى الرعاية الكاملة، بعد دراسة أوضاعها الاجتماعية والبحث عن حلول أسرية بديلة قبل إيداعها في الدار، وهو ما يعكس قوة الروابط الأسرية في المجتمع العُماني، وحرص الجهات المختصة على بقاء كبار السن في محيطهم العائلي متى ما توفرت الظروف المناسبة لذلك.

وقد عبّر المشاركون في المبادرة عن تقديرهم الكبير لما شاهدوه من مستوى التنظيم والرعاية داخل الدار، مشيدين بالجهود التي تبذلها وزارة التنمية الاجتماعية والمديرية العامة للتنمية الاجتماعية بمحافظة جنوب الباطنة في توفير بيئة آمنة ومريحة لكبار السن، تضمن لهم حياة كريمة مليئة بالرعاية والاهتمام.

وشارك في الفعالية وفد من مجلس صحار الثقافي وعدد من موظفي شركة بورصة مسقط، يتقدمهم الرئيس التنفيذي للشركة هيثم السالمي، ورئيس مجلس صحار الثقافي (كاتب سطور هذا المقال)، في حضور جسّد الاهتمام المتواصل بدعم المبادرات المجتمعية ذات البعد الإنساني والثقافي.

وأكد القائمون على مبادرة “بركة الدار” أن هذه الفعالية تنطلق من إيمان عميق بأهمية المسؤولية المجتمعية، وضرورة بناء جسور التواصل مع كبار السن، وإشراكهم في الأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تسهم في رفع معنوياتهم وتعزيز حضورهم المجتمعي، مشيرين إلى أن استمرار مثل هذه المبادرات يرسخ قيم التكافل والمحبة والتعاون بين أفراد المجتمع.

وتبقى مثل هذه الزيارات دعوة مفتوحة لكل أفراد المجتمع ومؤسساته للمشاركة في العمل التطوعي والإنساني، ومد جسور التواصل مع كبار السن، فالأثر الذي تتركه هذه المبادرات لا يقتصر على النزلاء وحدهم، وإنما يمتد إلى العاملين والمشرفين وكل من يشارك فيها، حيث تتجدد معاني الرحمة والوفاء والانتماء الإنساني في مشاهد يصعب نسيانها.

عُمان التي جعلت الإنسان محور التنمية، ما زالت تقدم نموذجًا مضيئًا في الاهتمام بالفئات التي تستحق الرعاية والتقدير، وفي مقدمتها كبار السن الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة وطنهم ومجتمعهم، ومن داخل دار الرعاية الاجتماعية بالرستاق، تتجسد هذه الصورة بكل معانيها، لتبقى “بركة الدار” عنوانًا للوفاء، ورسالة محبة تحمل الكثير من الامتنان والعرفان.

الأكثر قراءة

z