عبدالخالق آل عيسى
في خضم ما يجري في المنطقة من تمديد لهدن، يتم تمديدها خلال عراضات إعلامية وصلوات شيطانية بالمكتب البيضاوي، تستمر آلة القتل الصهيوني في نهجها في لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية في خرق واضح للهدن؛ تلك الهدن البراقة المظهر الجوفاء التي تسمح للصهيوني بتجاوز ما يشاء منها ساعة شاء، ليست إلا ضوء يتيح له فعل التدمير الممنهج للبنية التحتية ومختلف المصالح بمناطق تواجده، إضافة لعمليات القتل والاغتيال المنسقة والعشوائية بين الحين والآخر.
ويتبين لكل متابع ان الهدن المعلنة منذ حرب غزة وصولا للهدنة الحالية، بأنها لم تكن سوى مشروع يحقق اهداف عجزت آلة الحرب عن تحقيقه. فعمليات قضم الأراضي فشلت قبل الهدنة وانطلقت وتوسعت بعدها، من اجل تحويل جزء من الأرض لشريط معدوم الحياة.
إنه تخطيط يهدف إلى إنشاء منطقة عازلة يحيط بها جدار، يعود هذا السيناريو بذكرياتنا إلى الجدار برلين الفاصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية، تلك المنطقة التي ملئت بالألغام والكمائن والقناصة لتصطاد أي عابر لها، نموذج تكرر في أكثر من بقعة في العالم نشهده عبر الشاشة في قطاع غزة كشريط محتل وقطاع مقطع الأوصال مستباح من الصهاينة، بشراكة من العالم الصامت والآخر المتآمر.
هذا النموذج تم التمهيد له في جنوب لبنان طيلة 15 شهرًا، في مسار واضح لذات المشروع يتحقق حين تكتمل العدة ويتجهز الكل للأطباق، يظهر ذلك حاليًا في سعي الحكومة الحثيث والمعلن لإنجازه حتى حدود جنوب الليطاني، ولكن "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"؛ فبفضل مباغتة المقاومة لها تقلصت المسافة المعلنة إلى عمق 15 كيلومترًا، ثم إلى مسافات غير محددة. وواقع الحال اليوم يشير إلى أن كل الألوية العاملة على الأرض لا تستطيع ضمان تحقيق سيطرة على شريط بعمق ثلاثة إلى خمسة كيلومتر، وفي تقديري هي لن تستطيع حتى الثبات في شبر واحد من تراب الجنوب.
لم تصبر المقاومة طويلًا قبل أن تبدأ بالرد على الخروقات، بتصاعد تدريجي مُلحقةً أذى متعاظمًا يومًا بعد يوم بالقوات الصهيونية ومعداتهم لدرجة أن أرقام الإصابات المعلنة مقاربة للأرقام المسجلة لفترة ما قبل الهدنة أكبر. وهذا يدل على أن كُلفة التحرك خلال الهدنة أعلى ثمنا بكثير، وهو في تزايد مضطرد في ظل الكمائن المعقدة، والمسير الصغير الذي لا يرصد وغيرها من وسائل أعدت لهذه المرحلة، خصوصًا وأن الجيش الصهيوني من أجل تنفيذ مخططه زجَّ بمتعهدين مع معداتهم لتنفيذ عمليات هدم المنازل والبنية التحتية بالمناطق المستهدفة، وهذه المعدات بالطبع تحتاج إلى حماية والمرافقة وتطلب تحرك ضمن قوافل عسكرية، جعل منها ومن القوات المرافقة هدفا يسهل رصده واستهدافه بعدة طرق وعمليات ضمن إطار حرب عصابات كما أطلق عليها قادة العدو الصهيوني.
المقاومة استوعبت دروس الهُدن المعلنة أمريكيًا والمُخترَقة صهيونيًا، فشرعت للرد المدروس، مكرسةً واقعًا على الأرض، أن الاحتلال ثمنه مكلف ولا يقارن بفترة احتلال الشريط الجنوبي سابقًا؛ فالسكان المتمسكون بالأرض باتوا هم الشرارة التي توقد النار بوجه المحتل، ونسيج الاجتماعي رافض للاحتلال، وأخيرًا في ظل صمت دولي واستغلال داخلي وصل لحد الشراكة بالجرم من خلال تصريحات ومواقف رسمية، تُعد بنظر حقوقيين وسياسيين عبر العالم مسؤولة بشكل مباشر عن بعض ما جرى من عمليات، أدت في جزء منها إلى إزهاق أرواح وهدم ممتلكات.
لقد أوضحت الهُدن الأمريكية أنها ما هي إلا وسيلة ومشروع لتحقيق مكاسب تتجاوز تدمير القرى والمدن ضمن نطاق محدد، فبنك الأهداف واسع وما يمكن تحقيقه له أوجه سياسية وعملياتية واجتماعية واقتصادية وبالطبع نفسية تركز فكرة الانكسار في المحيط لا الهزيمة فقط.
إنَّ ما يسعى له الصهاينة مع أمريكا هو تكرار لسيناريو نفذ أكثر من مرة في غزة وسوريا وطيلة 15 شهرًا قبل هذه الحرب في لبنان، يتم فيه استغلال كل موقف متخاذل وصوت معارض يتماشى مع بعض من تمسكوا بسرديات طائفية وسيادية من أجل مصالح ومكاسب سياسية. ولا ريب أن المواجهة والتصدي ميدانيًا لهذا الأمر لا بديل له ولا مناص؛ فالتاريخ يروي والأرض تحكي قصة نضال طالما ربح في النهاية وانكسرت فيه إرادة الطغيان عند المحتل فاندحر، فتناقلت الكتب قصص رجال باعوا جماجمهم لله وللوطن والحياة.
