الدبلوماسية الاقتصادية العُمانية

د. أحمد بن علي العمري

بهدوئها المعهود وثقتها بنفسها واعتزازها بتاريخها الضارب في جذور التاريخ وبمكانتها المرموقة، حيث أثبتت للعالم رزانة سياستها وتوسطها المحايد والتزامها الصارم، وفي الوقت الذي تتصدّر فيه بعض الدول للدخول في بعض الحروب الإقليمية، بينما تتسابق أخرى للحصول على الأسلحة بشتى أنواعها ومن كافة مصادرها، باذلة كل مقدراتها ومقدرات شعوبها مقابل ذلك، تتجه سلطنة عُمان بالهدوء المعروف عنها وبنفس الخطى الواثقة المتزنة إلى الدبلوماسية الاقتصادية؛ حيث وجّهت سفاراتها في شتى بقاع العالم إلى ضرورة تناسق المسار الدبلوماسي مع المسار الاقتصادي وأن يمضيا بخطين مستقيمين دون أن يؤثر أحدهما على الآخر أو حتى يعيق طريقه، بل يجب أن يتكاملا ويتعاونا، فالهدف المنشود واحد والقصد مشترك.

وهنا بدأ نشاط جهاز الاستثمار العُماني بكفاءة منتسبيه العالية وإخلاصهم وتفانيهم لوطنهم، ليتوجهوا إلى مشارق الدنيا ومغاربها، مواصلين الليل بالنهار في جهد لا يعرف الكلل ولا الملل، ليجنوا الاستثمارات لعُمان، بل ويستثمروا كذلك في المجالات المناسبة والمبشّرة.

وحيث إن الأمر قد أتى من حكيم عُمان وسلطانها المفدى برؤيته الثاقبة، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - فقد شاهدنا جميعًا استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وتولّى المنصب صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، يُعاونه لفيف من الخبرات الاقتصادية المتميزة، وكل ذلك يمضي وفق خطى مدروسة ومحسوبة في إطار مستهدفات رؤية "عُمان 2040". وما صدور المرسوم السلطاني السامي رقم 50/2026 بتاريخ 30 أبريل 2026م بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في محافظة مسقط إلا تعزيزًا للتوجه الراقي المدروس.

وفي هذا التوجه نرى جذب الاستثمار الأجنبي للسلطنة؛ حيث بلغ 25.4 مليار ريال عُماني حتى 2024، وهذه تستهدف قطاعات مثل الطاقة المتجددة والتصنيع والتعدين، كذلك تنمية الصادرات العُمانية من حيث فتح أسواق جديدة للمنتجات العُمانية وتعزيز تنافسيتها عالميًا وإثبات وجودها.

ومن جانب آخر، ومتزامن أيضًا، تنويع الاقتصاد بحيث يتم الانتقال من النفط إلى القطاعات غير النفطية، وهي الطاقة والسياحة واللوجستية.

إن سلطنة عُمان تعمل عبر سفاراتها في الخارج على الترويج والتعريف بالحوافز الاستثمارية مثل السماح بالتملك الأجنبي. كذلك توجهت السلطنة إلى توقيع اتفاقيات ثنائية لإنشاء العديد من الصناديق الاستثمارية مع العديد من الدول في مختلف قارات العالم، وأقامت العديد من منتديات الأعمال مع عدد من الدول، وأيضًا ورش عمل لربط المستثمرين بالفرص المتاحة.

أما عن الشراكات البارزة على المستوى العالمي، فإنه يوجد التعاون في التكنولوجيا النظيفة وأشباه الموصلات وتمويل بقيمة 500 مليون دولار مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أما عن الصين، فقد قفز الاستثمار من 627 مليون ريال عام 2022 إلى 1.3 مليار ريال في عام 2024.

ومع تركيا فقد حققت السلطنة تعزيز التعاون في التقنيات الصناعية الحديثة والتصنيع المتقدم. وفي آسيا الوسطى هناك اتفاقية مع كازاخستان لإنشاء صندوق استثماري مشترك لمصلحة البلدين. هذا غير الاستثمار الواسع في نطاق القارة الإفريقية الواعدة والمليئة بالفرص الذهبية للاستثمار من حيث الموارد الطبيعية التي لا تمتلكها أية قارة سواها، وما إنشاء البنك الإفريقي العُماني إلا إحدى الدلائل على ذلك، في جهود متواصلة ومستمرة لتعزيز الاقتصاد العُماني؛ الأمر الذي يعود بالرفاه والعيش الكريم للمواطن العُماني الذي هو حجر الزاوية والهدف والمبتغى.

وفي ذات التوجه، قامت السلطنة بدورها المعهود عند الشدائد بمساعدة أشقائها وجيرانها في تسهيل أمورهم دون تردد، وهي التي لا تتأثر موانئها - ولله الحمد - بإغلاق أو حصار مضيق هرمز ولا حتى بإغلاق مضيق باب المندب - لا قدر الله -؛ الأمر الذي يجعلها مستقراً آمنًا ومبشرًا بالخير لكل رؤوس الأموال من شتى بقاع العالم وفي جميع توجهاتها.

حفظ الله عُمان وسلطانها وشعبها.

الأكثر قراءة

z