د. أحمد بن علي العمري
بيننا في دول الخليج من يؤيد إيران، وربما الكثيرون، بل الغالبية العظمى منا يعارضونها.
ولكن لنفكر بالعقل والمنطق والتأني والواقع، بما يؤدي في الأخير إلى ما فيه الصالح العام:
أولًا: إيران جارتنا، والجغرافيا تختارنا ولا نختارها، وأمريكا بعيدة عنا، وإسرائيل مزروعة بالإكراه بيننا. هذه حقائق يجب أن نعلمها علم اليقين ونعيها تمامًا، ولا نتجاهلها أو حتى نغفل عنها أو نتساهل معها.
ثانيًا: قد يقول قائل إن إيران تحتل الجزر الإماراتية الثلاث: أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، والتي ما فتئ مجلس التعاون منذ إنشائه يطالب بها… ولكن قد ترد إيران وتقول: أنا اشتريتها مثلما اشترت أمريكا ولاية ألاسكا من روسيا، وتضيف أنها مستعدة للتحكيم الدولي، فلماذا لا نحتكم إلى العدل الدولي، ويقدم كل طرف ما لديه من إثباتات، مثلما حصل بين البحرين وقطر.
ثالثًا: هناك من يذهب إلى الاختلاف الطائفي، ولهؤلاء نقول: ما هو مذهب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والخلفاء الراشدين من بعده؟ أليس هو المذهب "لا إله إلا الله محمد رسول الله"؟ فلماذا لا نتفق عليه ونتوحد ونجتمع حوله؟ دعونا نتفق على ما يجمعنا ونبتعد عن كل ما يفرقنا. فهل الاتحاد الأوروبي مذهبهم واحد؟ بل العكس، الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت أقوى بكثير من خلافنا الطائفي البسيط في الفروع الصغيرة عندنا.
رابعًا: قد يقول البعض إن إيران ضربتنا في حرب 39 يومًا، فقد ترد إيران وتقول: أنا نبهتكم في حرب الـ12 يومًا أن الصواريخ تأتيني من أراضيكم ولم أرد عليها، وفي هذه الحرب ضربت إسرائيل وأمريكا التي كانت تُدار من قواعدكم، ولهذا رددت عليها في الحرب الأخيرة. وقد أعربت عدة دول من عندنا قبل بداية الحرب أن أراضيها وأجواءها لن تُستخدم لضرب أي دولة، وردّ ترامب أن هذه قواعدنا ومن حقنا أن نستخدمها في أي وقت نشاء. وقد بلغ السيل الزبى عندما تم اكتشاف القاعدة العسكرية الإسرائيلية في الصحراء العراقية بواسطة راعي غنم.
كما أن إيران تردد دائمًا: لم أضرب الأبراج المنتشرة بكثرة في كل دول الخليج ولا المنشآت المدنية، إنما ضربت القواعد العسكرية الأمريكية التي تُطلق الصواريخ منها.
خامسًا: إذا دمرت أمريكا وإسرائيل إيران وأسقطت نظامها كما يتمنى البعض، وربما الغالبية منا، ويروج إعلامنا لذلك بكل ما يملك من تأثير ودعاية، فما الذي سيحصل؟
أتوقع أن يحصل التالي:
سوف نُجبر جميعًا على التطبيع والدخول في المعاهدة الإبراهيمية المزعومة كرهًا وليس طوعًا، حيث إنه حينها ستكون إسرائيل المسيطرة في الشرق الأوسط ومن خلفها أمريكا.
سوف تنطلق إسرائيل (وهي دولة نووية غير قانونية، ولا أحد يتحدث عن مشروعها النووي) وتحت المظلة الأمريكية في إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد كما يدّعون، على هواها ومبتغاها، وهي الخارطة التي رفعها نتنياهو في الأمم المتحدة بلا حياء وما زال يكررها إلى يومنا هذا.
سوف تتوجه إسرائيل، وبيد خفية من أمريكا، لضرب باكستان، وفي هذه الحالة سوف تظهر الهند، وليس أمريكا، وبعدها ربما إلى تركيا للقضاء على العالم الإسلامي برمته، فقد أوضحوا في أكثر من مرة ومناسبة عداءهم للإسلام وجاهرونا به ونحن في سباتنا العميق.
قد يفكر البعض أو يقول حتى إن عُمان تتعاطف وجدانيًا مع إيران ويربط ذلك بالفكر المذهبي المشؤوم، ولهؤلاء نقول: إن عُمان تسلك درب الحياد المطلق بصفاء نية وبياض وجه. وللتذكير، فعلاقة عُمان بإيران هي علاقة تاريخية منذ قديم الأزل، بل إن إيران في عهد الإمبراطور الشاهنشاه محمد رضا بهلوي (أي قبل الثورة الإسلامية) أرسلت قواتها إلى ظفار في الجزء الجنوبي من عُمان لمحاربة الامتداد الشيوعي، ودماء هؤلاء الأبطال الزكية ما زالت إلى يومنا هذا تخضب التراب العُماني الطاهر. وكذلك فعلت المملكة الأردنية الهاشمية في عهد الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، فلهم كل التقدير وبالغ الاحترام، وذلك في بداية النهضة العُمانية الأولى التي انطلقت في أواخر عام 1970م، بينما بقيت دول المنطقة تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها. وعُمان لا تنسى من أحسن إليها أبدًا:
إذا أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وعليه فيجب أن نتعظ ونفهم ما يدور من حولنا، فصديقنا من عدونا.
فلماذا نتمادى رغم علمنا بالغد المخزي لا قدر الله؟ ولماذا لا نتفق ونتحد ونتعاضد مع من يساندنا مثل إيران وباكستان وتركيا وحتى إندونيسيا وماليزيا ومؤيدينا في القارة الأفريقية الباسلة؟ فهل صمدت فرنسا أمام بوركينا فاسو عندما وجدت في قائدها الانتماء والشغف والحب لبلاده أو في أي دولة أفريقية أخرى؟
وقد رأينا جميعًا ما حصل في اليمن الشقيق، وأن شعوب أي بلد هي من تقرر مصيرها.
اللهم بلغت، اللهم فاشهد.
ربنا يحفظ بلادنا ويمنحنا الاستقرار، ولا يمكّن أعداءنا وحسادنا منا، والله لا يغير علينا.
