د. محسن الكندي
في واحدةٍ من المراحل المفصلية في التاريخ الثقافي والأكاديمي في عُمان المقترن بتأسيس جامعة السلطان قابوس ونشوئها، عرفنا الأكاديمي البارع الأستاذ الدكتور أحمد درويش.. عرفناه أديبًا وشاعرًا وناقدًا وأستاذًا جامعيًّا، عرفناه مربّيًا يعي حق التربية ويوُلِيها قَدْرَها.. عرفناه باحثًا مُتمرِّسًا.. عرفناه مثقفا أصيلًا.. وناقدًا حازمًا، لا يقبل الجدل في الثوابت.. كلُّ ذلك عرفناه فيه ونحن نخطو خطواتنا الأولى نحو المعرفة والعلم، في بلدٍ كان في مطلع العشرية الثانية من نهضته الحديثة يرسمُ خطواته الثقافية بتسارع منقطع النظير، كانت علاقتنا به تنمو في كلِّ لقاء علمي يحضره، وفي كلِّ محفل رسمي يتربَّعُ على قمته حتى ارتقى سدة المسؤولية عميدًا، فمستشارًا ثقافيًّا في جامعتنا الفتية جامعة السلطان قابوس التي تأسست عام 1983م، وافتتحت رسميًّا في سبتمبر من عام 1986م، وحضر إليها الدكتور درويش في مارس من العام نفسه مع نخبة من الأكاديميين من أساطين العلم والمعرفة والأساتذة الأجلاء من أمثال: الدكتور صابر عرب، وحمدي السَّكوت، وشاكر عبد الحميد، وسعد دعبيس، وإبراهيم زين الصغيرون، وأحمد أمين مصطفى، وأحمد عبد اللطيف الليثي، وأبي همام، والطاهر الدرديري، ومحمد أمين، وفؤاد أبو حطب، وصلاح الدين جوهر، وغيرهم.
لم تكن الجامعة في ميلادها الأول إلا ثمرةً من ثمار لجانٍ علمية أكاديمية رصينة، أسهمت في إعداد مناهجها ووضع ثوابتها ورفع أعمدتها الأولى في سائر العلوم، ومنها العلوم الإنسانية والاجتماعية... لجانٌ صاغتها أنامل وأفكار وآراء كُلٍّ من: الأستاذ الدكتور محمد الشيبيني، والأستاذ الدكتور الطاهر مكي، ومحمود مكي، وفاروق شوشة، ومحمود فهمي حجازي، وكمال بشر، والسعيد بدوي، وعلي الدين هلال، وأحمد هيكل وغيرهم، فهؤلاء كلهم أرسوا القواعد الأكاديمية الأولى للجامعة وهي قيد التأسيس، وكانت جهودهم كبيرة ورُؤَاهم ثاقبة تَحْوِيهِم بالطبع قيادةٌ ورئاسةٌ حكيمةٌ، يتربعُ في كرسيِّها آنذاك سعادة الشيخ عامر بن على بن عمير المرهوبي، الرجل الذي ما زالت ذاكرتُنا تحتفظ له بحق التأسيس المميز لهذا الصرح العلمي المؤثر في نهضة بلدنا سلطنة عُمان؛ لأنه باختصار مثقف وقارئ، وذو خبرة طويلة في التعليم والتربية تمتد من زنجبار إلى عُمان.
لم يكن الدكتور أحمد درويش أستاذًا عاديًّا يُلقِي دروسه على طلاب قسم اللغة العربية بكلية الآداب- الـمُلْحَقة آنذاك بكلية التربية في عمادة واحدة - بوجلٍ وابتسار؛ بل كان مُتَمَعِّنًا فاحصًا متأملًا، شغوفًا متطلعًا، وفي كثير من الأحايين مُلْقيًا أسئلة حيرى لطالما مَثَّلَتْ في نفوسنا ومخيلتنا -ونحن المتابعون لحراكه الثقافي- كثيرًا من الدهشة والاستغراب، مما كان لها كبير الأثر في صقل مواهبنا تجاه الأدب والثقافة والقراءة والاطلاع، فَحَبَّبَ إلينا الشعر والقصة والمقالة والنقد وتاريخ الأدب، وعرَّفــنا برموز هذه الأجناس الأدبية ومبدعيها، وأبرز اتجاهاتها وخصائصها بأسلوبٍ شيق ممتعٍ جذاب، وبمنهج نقدي رصين، يستوي ذلك في جُلِّ اللقاءات التي حضرناها للدكتور درويش بشكل خاص؛ إذ لم نكن من بين طلابه المسجلين في مَوادِّهِ رسميًّا، بل وصل إلينا خبره عبر أساتذتنا وأصدقائنا الذين عَرَفوه قبلنا، من أمثال الدكتور محمد الذهب الأستاذ الأكاديمي العُماني الرائد في جامعتنا، فهو الذي عرفنا على الدكتور درويش في مطلع عام 1987م، ثم توطَّدت علاقتُنَا به عن قُربٍ بمبادراتٍ قاد زِمَامَها تلاميذُ الدكتور درويش المسجَّـلون رسميًّا في مواده التي كان يُدَرِّسُهَا بقسم اللغة العربية (النقد الأدبي، والأدب العُماني، والأدب الحديث، والأدب المقارن وغيرها)، فكنتُ أحضرُ محاضراتِهِ بصحبة ثلة من أصدقائي الأعزاء أذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر: الشاعر الجميل الدكتور سيف الرمضاني، والدكتور سالم بن زويد الهاشمي، والدكتور سليمان الغتّامي، والدكتور عبد الله الهاشمي، والدكتور محمد المعشني وغيرهم.
لم يكن شغفنا بالدكتور درويش في تلك الفترة المبكرة قليلًا رغم تخرجنا من الجامعة وعملنا في إدارة جامعة السلطان قابوس، فقد كان الرجلُ نموذجًا للأستاذ الناجح الذي يَشدُّنا بمحاضراته ويَسْحَرنَا ببيانه، فتزداد نفوسنا توهجًا من وقع علمه وطرائقه في التدريس، وهذا لم يكن غريبًا طبعًا على الدكتور درويش، وهو الوحيدُ - فيما نَعلمُ - من بين زملائه ممن تخرجوا من الجامعات الفرنسية آنذاك، فقد كانت طريقته مزيجًا من حداثة الغرب وتقليدية العرب، معادلةٌ أخلصَ لها الدكتور درويش وتبنَّاها في منهجه العلمي، رغم تحفُّظه على بعض ما ساد الأدب العربي من حداثة طارئة؛ اعتبر من خلالها شططًا مصطلح قصيدة النثر "عصيدة النثر"([1])، فجاء موقِفُه هذا من واقع دراساته المستفيضة للشعر العربي، فنظراتُه إليه كانت حُبلى بالجديد والمستجد تنظيرًا وتطبيقًا، دون المساس بالثوابت الأصيلة في ثقافتنا العربية... كان منهجه دومًا منهجَ المفارقة بموهبة حباها الله لهذا الرجل، هي نادرة في زمنه، وقد لا تتوفر لدى الكثيرين ممن التقينا بهم في تلك الفترة الأولى من تكويننا العلمي، عدا أسماء حفرت لأنفسها مجالا في مخيلتنا الثقافية والمنهجية بوعي واقتدار، أسماء يدخل فيها الدكاترة النقاد أمثال: صلاح فضل، وجابر عصفور، وعلوي الهاشمي، وإبراهيم غلوم، وسليمان العطار، وحلمي مرزوق، ومحمد ديب، وهلال الشايجي وغيرهم؛ فهؤلاء تأسَّست معرفتنا بهم مبكرًا منذ أن كنّا طلابًا على مقاعد الدراسة في جامعة البحرين التي شَرُفْنَا بالدراسة فيها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين؛ أي قبل افتتاح جامِعتنا الوطنية (جامعة السلطان قابوس) بعامين تقريبًا.
وتأسيسًا على ذلك فنحن لا نبالغ إن وصفنا موهبة الدكتور بالتفرد والمغايرة، تبرهنه كل اللقاءات الفكرية التي حضرناها لهذا العالم المفكر، سواء في المحافل الثقافية المحلية في الجامعة، أو في محيطها الخارجي الذي كانت تدفعُ به أنشطة النادي الثقافي، أو المنتدى الأدبي، أو ما كان يُسَمَّى بالهيئة العامة لأنشطة الشباب الثقافية، أو المؤسسات الإعلامية والصحفية كإذاعة سلطنة عُمان، والتلفزيون العُماني، وملاحق صحيفتي "عُمان" و"الوطن"، فقد كان الدكتور درويش حاضرًا حضورًا بَــيِّــنًا في أَغلب هذه المنابر الإعلامية، وفي شتى المناسبات الـمُلحقة بها، وليس أدلّ على ذلك مما قدَّمه فيها من إسهامات باتت تشكِّل الخطوة البحثية الأولى في ثقافتنا الأدبية العُمانية الحديثة، وهي إسهامات تشاركه فيها أسماء من أمثال: الدكتور علي عبد الخالق صاحب كتابي "الشعر العُماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية" الصادر عن دار المعارف عام 1984م، و"الستالي حياته وشعره" الذي صدر عن دار المعارف أيضًا وفي العام نفسه، والأستاذ يوسف الشاروني القاص المعروف مؤلف عدد من الكتب العُمانية، أشهرها "الأدب العُماني الحديث" و"سندباد في عُمان" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 1986م، والدكتور سعد دعبيس صاحب كتاب "دراسات في الشعر العُماني" الصادر عن دار المعرفة الجامعية عام 1992م، وأبي همام عبد اللطيف مؤلف كتاب "في الشعر العُماني"، والدكتور سعيد العَلوش صاحب كتاب "إشكالية الثقافة الخليجية في نقد النقد الأدبي العُماني" 1999م. أمـّا ما تفرّد به الدكتور درويش-في رأينا – فَيَكْمُنُ -بالإضافة إلى هذا العمل البحثي- في تواصله الشفوي عبر أثير الإذاعة العُمانية وتقديمه لبرنامج دوري هو "من كنوز الثقافة العربية"، والذي ابتدأه بمُسَمَّى "إن من الشعر لحكمة" ومن ثم "إن من البيان لَسِحْرا"، وقد قدّم فيه قرابة خمسة آلاف حلقة شَنَّفَ بها أسماع المستمع العُماني والعربي لمدة قاربت خمس سنوات أو يزيد.
ولم يقصر الدكتور درويش نشاطه على هذا البرنامج الإذاعي وحده؛ بل أتبعه ببرنامج آخر تلفزيوني سمّاه " من شعاع الحضارة "، وقد استضاف فيه خِيرَةَ الـمُفكِّرينَ والباحثين والعلماء، وقدَّم فيه إضاءات فكرية ومناقشات شملتْ مختلف مستويات الخطاب الفكري عبر مراحل التاريخ الثقافي والأدبي للحضارة العربية.
ومن اللافت للنظر في هذه الحوارات الثقافية التي أدارها الدكتور درويش قدرتُه على تبني القضية المطروحة والغوص في أرجائها، حتى إن المستمع لا يكاد يشعرُ بفارق التخصص الذي ينتمي إليه الدكتور درويش عن تخصص أولئك الأعلام الذين استضافهم في برنامجه، فتراه مناقشًا ومعارضًا ومتدخلًا في نقاط تمثل لبّ تخصص الشخصية التي يستضيفها، تحدوه في ذلك قدرةٌ لغوية عجيبة، وأسلوب شعري مبهر جذاب، إضافة إلى طريقة بديعة في الإلقاء لا يكاد يجيدها سوى كبار الإذاعيين والإعلاميين والأدباء، وهو يذكرك –وأنت تستمع إليه– بجيلِ العمالقةِ في الفكر والفن، وعلى رأسهم طه حسين، والعقاد، والرافعي، وحسن الكرمي صاحب البرنامج الأدبي "قول على قول"، وغيرهم.


وفي إطار أكاديمي آخر يُحسَبُ للدكتور درويش نشاطٌ ثقافيٌّ حينما اضطلع بوظيفة عمادة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، حيث خلق طقسًا علميًّا استقاه من واقع خبرته العلمية ودراسته الأكاديمية في الجامعات الفرنسية، هذا الطقس يتمثل في تبنيه لبرنامج "الدرس الافتتاحي"، وهو درسٌ تستفتح به الجامعات عادة باكورة فصولها الدراسية، وقد شرع فيه استقطاب أسماء لامعة في حقول المعرفةِ الإنسانية، ويهدفُ إلى تعريف الوسط الأكاديمي والطلابي برموز الفكر العربي المقرر أساسًا في المناهج الدراسية؛ بُغية الرؤية المباشرة والحوار المفتوح، وقد دُعِي إليه ثلةٌ من العلماء أتيحت لهم زيارة السلطنة لأول مرة رغم أنها تحمل جذوة معرفتها العلمية والتاريخية والحضارية، وهنا أدرك الطلبة أفكار "صلاح فضل"، و"فهمي جدعان" و"أحمد الفلاحي" و"جابر عصفور" و"سيف الرحبي"، وآخرين تمت استضافتهم تباعًا في فترات متلاحقة من عام 2001م.
لم يكن الدكتور درويش يُقدِّمُ هذا الدرسَ إلا وهو يدركُ أنه في جامعة توَّاقَةٍ إلى كلِّ ما هو جديد، يحدُوهُ في ذلك فهمُهُ للشخصية العُمانيةِ المتلهفة أصلا لمسارات التجديد، وتلك جِبِلَّةٌ عُهِدَت في العُمانيين، منذ أمد بعيد.
ولم تقتصر جهودُه في هذا المجال على هذا البرنامج، بل كان حاضرًا بدراساته وأبحاثه في أغلب الندوات واللقاءات والمناشط التكريمية التي يُقيمُها المنتدى الأدبي الوليد آنذاك (أي في عام 1987م) لأعلام الأدب العُماني احتفاءً بهم وتثمينًا لأدوارهم الثقافية، ونسوقُ هنا أمثلة من مناشط الدكتور درويش في هذه الفعاليات؛ فحين كرم المنتدى الأدبي الأديب عبد الله الطائي (1924- 1972م) في نوفمبر من عام1990م شارك ببحث عنوانه "عبد الله الطائي وآفاق الشعر العُماني المعاصر"، وحين قُدِّرَ للمنتدى الأدبي الاحتفاء بالشيخ عبد الله الخليلي (1934–2000م) في الفترة من 19-20 فبراير1990م كتب الدكتور درويش بحثًا عنوانه "مظاهر معاصرة الجيلين في شعر عبد الله الخليلي"، وحين رصد المنتدى الحضور العُماني في الشرق الإفريقي قدَّم الدكتور درويش مداخلته الموسومة بــ"الوجود العُماني وأثره في ازدهار العربية في شرق إفريقيا"، وقد نشرت هذه الدراسات كلها في دورية المنتدى الأدبي "فعاليات ومناشط" بين عامي 1991-1994م.
ويضاف إلى هذا النشاط الأكاديمي البحثي نشاطٌ ثقافيٌّ آخر قام به الدكتور درويش في هذه المرحلة: (أي مرحلة توليه وظيفة مستشار الجامعة الثقافي)، هذا النشاط يتجلَّى في رئاسته للجنة التحضيرية لأسبوع عُمان الثقافي بمدريد بإسبانيا في مايو من عام 2001م، وقد ضمّت تلك اللجنة في عضويتها أعضاء من وزارة التراث القومي والثقافة، وجامعة السلطان قابوس، ووزارة الإعلام، وتمخَّضت عن مشاركة عدد من الشعراء والفنانين أمثال: الشاعرة بدرية الوهيبي، وسعيد الصقلاوي، وطالبتين من الجامعة، وشاركت شخصيًّا في هذا الأسبوع ببحث عن الأدب العُماني. كما شارك أيضًا الدكتور سعيد المحرمي مدير عام العلاقات العامة بالجامعة سابقًا في هذه المحاضرة، وقد عُقِدَ هذا الأسبوعُ في قاعة المركز المصري بمدريد، وحَظِيَ بقبولٍ حسنٍ بفعل حسن التنظيم، وتنوع البرامج ودقة الاختيار.
كان الدكتور درويش – إذن – مشاركًا نَشِطًا في أغلب الفعاليات الثقافية لهذا المنتدى الوليد، فلم يقصر مشاركاته على البحث الأدبي؛ وإنما شمل الأمسيات الشعرية بموهبة شعرية جميلة حباها الله لهذا الرجل، ونسوق هنا قصيدته التي شارك بها المنتدى الأدبي تضامنًا منه مع أطفال الحجارة في ثورتهم ونضالهم في مطلع مايو من عام 1989م، يقول الدكتور درويش:
صخرةٌ كانتْ على بَـــوَّابــةِ القُدْسِ تَنَام
دفنتهـــــــــا الــــــــــــــريحُ عــــــــامًا بعد عَـــــام
وأهـــــــــــــــــــــــــــالتْ فــــــــــــــوقهــــــــــــــــا الـتُّـرْبَ
وغـــــــــــطَّـــــــــــــــــــــــــــاهـــــا الـــــــــــــــــــرُّكَـــــــــــام
شـــــــهِـــــــــدتْ خطــــــــــــــــــــــــــوَ عُمَــــــــــــــــــرْ
حــــــــين مــــــــــــــــــــرّت نــــــــــاقةٌ عَـــــــجْفَـــــــــاءُ
تَعِبَـــــــتْ مـــــــــــــن وقــــــــــدةِ الحُــــــــــــــــــــــــــــــــرّ
ومــــــــن طــــــــــــــــــــــولِ السَّــــــــــــــــــــــــــــــــفَر[2]
وفي مجال المسابقات كان الدكتور درويش مُحَكِّمًا لعدد كبير من الجوائز التشجيعية التي تُقِيمُها الهيئات الثقافية في عُمان، وكانت نظرته العلمية تنصب دائمًا نحو الأجود المتميز في الأدب شعره ونثره، وبفعل موهبته الانتقائية الدقيقة القائمة على الرؤية المنهجية الأكاديمية الصارمة لمعت أسماءٌ رسمت فيما بعد خريطة الأدب العُماني المعاصر، وهنا نذكُرُ على سبيل التمثيل لا الحصر الشعراء:، سيف الرمضاني، وهلال الحجري، وعاصم السعيدي، وعبد الله المجيني، وسعيد المكتومي، وأحمد العبري، وبدر بن علي الشيباني، وعمر محروس، وعامر العيسري، سعيد المكتومي، وعلى الحضرمي، وسعيد الكيتاني، وغيرهم، وفي مجال القصة والرواية: محمد البلوشي، ويونس الأخزمي، وطيبة الكندي، وبدرية الشحي، وغيرهم.
وعندما تطوَّرت تجربتا المنتدى الأدبي والمديرية العامة للنشاط الثقافي التابعة لوزارة الثقافة، وخصصت جوائز ومسابقات ثقافية للإبداع الشعري والقصصي، عُهِدَ للدكتور درويش تحكيمُ النصوص المقدمة لها وتقديم قراءات نقدية فيها، وقد أنجز ما عُهِدَ إليه، فقدَّمَ قراءةً في بعض الجوانب الجمالية والصور الفنية للقصائد الفائزة في مهرجان الشعر العُماني الأول عام 1998م، كما تناول "التعبير عن الحس الوطني والقومي في شعر أبي سرور"، وقد نشرت كلتا مداخلتيه في كتاب "حصاد مهرجان الشعر العُماني" عام 2001م.
لقد حَمَلَ الدكتور درويش جِذوَةَ المشاركةِ الدائمة في قلبه ودمِه، وظلت عُمان مطمحَ كبدِه الحرّى، ومناط ثريا أمله، فلم يكن ليهدأ طيلة بقائه في عُمان، فهو بين محاضرة وأخرى، وبين دراسة وثانية، وبين تحكيم وآخر، وقد تكللتْ جهوده في خدمة الثقافة العُمانية بمشاركته المبكرة في أولى المشاريع العلمية الموسوعية، فعندما شرعت السلطنة في تأليف موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب عام 1991م، كان الدكتور درويش في صدارة لجنتها العلمية المكلفة بالتحرير، بل أضيف اسمه إلى قائمة اللجنة الوطنية العُمانية التي يشاطره فيها نخبة من مثقفي عُمان وعلمائها، يأتي في مقدمتهم الشيخ بدر بن سالم العبري، والشاعر الشيخ هلال بن سالم السيابي، والأستاذ محسن بن حفيظ، والدكتور صالح الصوافي، وغيرهم، وقد صدرت الموسوعة في ثمانية أجزاء كبيرة، وحظيت منذ صدورها بمكانة ثقافية وفكرية معتبرة؛ كونها مصدرًا من مصادر العلوم الإنسانية واللغوية العُمانية، مَثَّلت– في مجملها- هدية عُمان إلى الثقافة العربية العاصرة.
وعندما سَعَتْ السلطنة إلى تأليفِ "موسوعة أرض عُمان" كان الدكتور درويش مُتَصَدِّرًا الهيئة العلمية لهذه الموسوعة، وقد صدرت هذه الموسوعة عام 2005م في مجلدين كبيرين، واستقصتْ جغرافية عُمان بما تحويه من مناطق وولايات وقرى، فجاءت سِفرًا في الواقع العُماني ينتمي إلى ما يُعْرف "بمعاجم البلدان"، وهو حقلٌ معرفي متأصل من حقول "الأدب الجغرافي".
وفي إطار آخر من مناشط الدكتور درويش تبرُزُ جهودُهُ في تأسيس ما أسماه "بالموسوعة الميسرة للتراث العُماني"، وهي موسوعة هُدِف منها تقديمُ خلاصةِ كتبِ التراث العُماني المنشور منها والمخطوط تقديمًا علميًّا مركزًا، بعيدًا عن تقليدية الطرح المنهجي والتوسع والإسفاف، وقد أشرف عليها ونسق مادتها بُعَيْدَ إقامته في القاهرة في الفترة من عام (1993-1998م)، فعُمان ظلت على الدوام هاجسه وإن بَعُدَ عنها، وقد انتقى الدكتور درويش خيرة الباحثين من زملائه بكلية دار العلوم وسائر الجامعات المصرية ليكونوا في هيئة تحرير هذه الموسوعة، وصدر منها "ديوان أبي مسلم" في قراءة أنجزها الدكتور صلاح رزق، وكتاب "ابن رزيق" وغيرهما..
وفي هذه الفترة أيضًا لم يكن الدكتور درويش بعيدًا عن الفعاليات الثقافية التي أسَّسها السفير العُماني السابق في القاهرة المرحوم السيد عبد الله بن حمد البوسعيدي، فيما عُرِفَ "بصالون الفراهيدي"، فحينما قدر لهذا السفير المثقف أن يقوم بهذا النشاط خدمة لتراث بلده، وإظهارًا لكنوزه المعرفية في قُطْرٍ يَعُجُّ بأشكالِ الحِراك الثقافي والمعرفي، كان الدكتور درويش مشاركًا في محاضرات مواسم هذا الصالون الأدبي وحلقاته، ولم يتخلف عن أيِّ منها إلا نادرًا، وتحفظ له كتب الصَّالون جوانب من مشاركاته، نذكر منها بحثه المعنّون بــ: "نشـأة المدائح النبوية في الشعر العُماني".
وبجانب هذه المشاركات المتقدمة، كانت هناك مشاركات حديثة، فقد حظينا بمشاركتنا معًا في دورة مؤسسة البابطين الثقافية الأخيرة بالكويت في ديسمبر من عام 2023، والتي خُصِّصت تأبينًا لصاحب المؤسسة المرحوم عبدالعزيز سعود البابطين وفكره، حيث قدّم شهادة أدبية في فكره وشعره وما قدمته مؤسسته من إصدارت علمية تعدّ إضافة للثقافة العربية، فكان – رغم مرضه – متألقًا مسترسلا في خطابه مرتجلا كلمة أبهرت الحضور، وكانت لغته صافية رقراقة تنضح بمشاعر الودِّ والتقدير، وعندما انتهى وسعى إلى الخروج من المنصة معضودًا تسنده زوجته الوفية حاولتُ مساعدته، فقلت لها أعطيني يده لآخذ بها، فلطالما أعطتنا هذه اليد علمًا وفكرًا ومعرفة، وقد قصدتُ عندما كان في جامعتنا ونحن طلابه، فلما سمع هذه العبارة كادت عيناه تذرف بالدمع" فقال بصوت هادئ مخنوق هذه هي أخلاقا العُمانيين الدائمة.
وبعد ثلاثة أشهر من ذلك اللقاء الأثيري – تواصلتُ معه عبر رسائل هاتفه غير المنقطعة، وكان دائم السؤال عن عُمان وأهلها ومثقفيها ويخصّ بالسؤال صديقه الأستاذ الفلاحي، ثم يختم تواصله بالسؤال عن محاور جائزة السلطان قابوس، ويحلم أن ينالها ولو كانت جائزة التقديرية.
وبعد فترة وجيزة أي في فبراير من عام 2025 م ألتقيته في القاهرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب حيث كانت السلطنة ضيف شرف المعرض، وقد جيء به ليقدم محاضرة عن "موسوعة أرض عُمان" الكتاب الذي أشرف على تحريره، فكان كعادته، عالمًا، متحدثا بدرر الخطاب وأحلى العبارات، وكأني به يردد عبارة عُمان أرض العروبة، ومؤئل الأصالة الدائمة القادم إليكم علمها.
لقد أثمرت جهود درويش ومناشطه المختلفة عن ميلاد كتبٍ مهمَّةٍ، هي عصارة مشاركاته في هذه الندوات والفعاليات داخل عُمان وخارجها، وقد اكتسبت قيمتَها من ريَادَتِهَا المبكرة للتاريخ الأدبي والثقافي في عُمان، فغدت مراجع لا غنى عنها لكثير من الدراسات الأكاديمية التي أتت بعدها، وخاصة عندما شرعت الجامعة في تأسيس برامجها الأكاديمية للحصول على درجة الماجستير منذ عام1993م، ومن بين هذه الكتب:
- "جابر بن زيد حياة من أجل العلم"، وهو كتاب قيّم مفيد في فن التراجم والسير، وقد صَدَرَ عن المديرية العامة للنشاط الثقافي والاجتماعي بوزارة التربية والتعليم والشباب آنذاك، ضمن سلسلة " أعلامنا "، وقدَّم فيه الدكتور درويش قراءةً مستفيضةً لسيرة جابر بن زيد (18-93هـ) عبر ثمانية فصول، وبمنهجٍ استفاد فيه من معطيات فروع المعرفة، ونجزم أن هذا الكتاب من أهم ما كتب عن الإمام جابر بن زيد وفكره..
- "مدخل إلى دراسة الأدب في عُمان"، وهو كتابٌ مرجعي رائد صدر عن دار الأسرة بسلطنة عُمان عام 1992م، وقد تناول فيه المصادر والمناهج والمراحل والنماذج.
- "تطور الأدب العُماني"، ويكاد يكون الطبعة الثانية من الكتاب الأول لولا تغيراتٌ أحدثها في بعض فصوله ومباحثه، وقد صدر عن دار غريب للطباعة والنشر بالقاهرة عام 1998م.
- "عُمان في عُيونٍ مصرية"، وهو كتابٌ ثقافيٌّ قدَّم له الدكتور أحمد درويش، وصدر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة عام 2015م، وتناول انطباعات شخصية لشخصيات مصرية عاشت في عُمان وفاضت أرواحها فيها عشقًا وحبًّا.
والمُعجب في هذا الكتب جميعها منهجيتُها المحكَمة، وشمولية طرحِها، ودقةِ تناول موضوعاتها، إضافة إلى لغتها المنسابة بتلقائية وعفوية وبغير تكلف، وقد استفدنا منها في كثير من دراساتنا الأكاديمية وأصبحت، معينًا لنا ولغيرنا من الباحثين في حقل الأدب العُماني.
هذه بعض من ملامح حُضورِ الدكتور درويش الثقافي في عُمان نسوقها بعُجَالةٍ خاطفة، تثمينًا لدوره العلمي، وتقديرًا لجهوده في خدمة الثقافة العُمانية، ومشاركةً منّا في احتفاء الثقافة العربية بمنجزه الفكري. فالرجل معطاء مُكْثِر في كافة الجوانب التي طرقها في تخصصه الأدبي والنقدي، وقد استحق بجدارة كلَّ الجوائز العربية التي منحته إياها سائر الهيئات والمؤسسات العلمية في الوطن العربي، رحم الله الأستاذ الدكتور أحمد درويش الذي أحبَّ عُمان، وصدق في حبّه لها.
**********
نشرنا هذه الشهادةُ الأدبيةُ مقتضبة في كتابٍ تذكاري عن الأستاذ الدكتور أحمد درويش، ص213)، وشارك في الكتابة فيه عدد من الكُتاب العرب الأكاديميين ممن عرفوا الدكتور درويش عن قرب وزاملوه، وقد صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى في مؤتمر النقد الأدبي الثاني الذي نظمته جامعة القاهرة بتاريخ 26 مايو 2010، وحمل عنوان رحلتا النقد والإبداع. كما أعدّنا نشرها في مقالٍ موسّعٍ بعد تنقيحها في كتابي السطر الأول ج2، ط1، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عُمان، 2000، ص 435.
[1] جاء ذلك في مداخلة للدكتور درويش في مؤتمر النقد الأدبي السادس الذي عقد في جامعة اليرموك بمدينة " أربد" الأردنية في يوليو من عام 1996م، وقد نشر الدكتور درويش هذه المداخلة في صحيفة الأهرام يوم 9 أغسطس من عام 1996م، وفي كتابه "متعة تذوق الشعر" الصادر عن دار غريب بالقاهرة عام 1997م، ص 291.
[2] انظر القصيدة منشورة في دورية " مناشط المنتدى الأدبي، إصدار يونيو 1990م، ص 454.
