صلالة- عادل بن رمضان بيت نصيب
في ذاكرة أبناء ظفار أسماءٌ لا ترتبط بالمناصب أو الشهرة بقدر ما ترتبط بالرحمة والمواقف الإنسانية النبيلة، وأولئك الذين عاشوا للنَّاس وخفّفوا آلامهم في أصعب الظروف. ومن بين تلك الأسماء التي بقيت محفورة في وجدان الأهالي، يبرز اسم الشيخ الدكتور خالد سعد الحمر- رحمه الله- بوصفه أحد الرجال الذين صنعوا حضورهم بالإنسانية والعطاء، حتى أصبح ذكره مقرونًا بصورة الطبيب الإنسان الذي جاب أودية ظفار وبواديها حاملًا الدواء والأمل والطمأنينة.

وُلد- رحمه الله- بمدينة صلالة مطلع أربعينيات القرن الماضي، في زمنٍ كانت فيه الحياة بسيطة وقاسية في آنٍ واحد، ونشأ يتيم الأبوين، فعرف مبكرًا معنى الفقد والاعتماد على النفس والصبر على مشقات الحياة. ولم تكن طفولته سهلة، بل كانت مليئة بالتحديات التي صقلت شخصيته، وغرست في داخله حسًّا إنسانيًا عاليًا جعله قريبًا من آلام الناس ومُعاناتهم.
وفي منتصف خمسينيات القرن الماضي، غادر الوطن وهو لا يزال في مقتبل العمر، متجهًا إلى منطقة الخليج بحثًا عن فرصة للحياة والمعرفة، ليستقر به المقام في دولة الكويت لمدة سبع سنوات تقريبًا. وهناك خاض تجارب حياتية متعددة أكسبته النضج والخبرة، وعاش سنوات شكّلت جزءًا مهمًا من وعيه وشخصيته، قبل أن يعود إلى وطنه مدفوعًا بالشعور بالمسؤولية والانتماء لأرضه وأهله.

ومع التحولات التي شهدتها ظفار في تلك المرحلة، عاد الشيخ الدكتور خالد الحمر إلى الوطن في وقت كانت فيه القرى والبوادي تعاني من غياب شبه كامل للخدمات الصحية، حيث كان المرض يفتك بالناس، والمسافات الطويلة تعيق وصول العلاج، فيما كانت الإمكانات الطبية محدودة للغاية. وفي عام 1965م التحق بجبهة التحرير، وهي مرحلة لم تكن مجرد محطة سياسية في حياته، بل كانت بداية حقيقية لرسالته الإنسانية والطبية.
ومن منطلق إيمانه بأن خدمة الإنسان تبدأ بتخفيف ألمه، سافر إلى مدينة عدن لتعلّم مبادئ الإسعافات الأولية وطرق علاج الأمراض المعدية، حيث تلقّى تدريبًا طبيًا في مستشفيات عدن، وعُرف هناك بجدّه واجتهاده وحرصه الشديد على اكتساب المعرفة. ولم يكن يبحث عن شهادة أو منصب، بل كان يحمل همّ العودة بما يستطيع من علم وخبرة لإنقاذ الناس في وطنه.

وعندما عاد إلى ظفار، بدأ فصلٌ استثنائي من حياته؛ إذ أصبح الطبيب والممرض والمضمد والمسعف في آنٍ واحد. كان يتنقل بين القرى والجبال والأودية، يحمل أدواته البسيطة وقلبه الكبير، ويصل إلى المرضى في أماكن يصعب الوصول إليها، غير آبهٍ بمشقة الطريق أو قسوة الظروف.
وقد عُرف- رحمه الله- بشجاعته الكبيرة في التعامل مع الإصابات الخطيرة الناتجة عن الألغام والمتفجرات، في زمنٍ كانت فيه الحروب تخلّف جراحًا يومية وآلامًا لا تنتهي. فكان يجري عمليات بتر للأطراف المصابة حين تستدعي الضرورة، ويستخرج الشظايا من أجساد الجرحى، ويعالج النزيف والالتهابات بما توفر لديه من أدوات وإمكانات بسيطة، لكنه كان يمتلك ما هو أعظم من الإمكانات؛ يمتلك الرحمة والخبرة والإرادة.
ولم يكن يكتفي بالعلاج فحسب، بل كان يمنح مرضاه الطمأنينة والأمل، ويلازم الكثير منهم أيامًا طويلة حتى تستقر حالتهم الصحية. وكان الأهالي يرونه طبيبًا وأخًا وأبًا وسندًا في آنٍ واحد، ولذلك ارتبط اسمه في وجدان الناس بالخير والرحمة والإنسانية.
ومن القصص التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الكثيرين، قصته مع طفلٍ صغير أُصيب بلدغة أفعى، حيث وصل إلى منزل الأسرة في وقتٍ خيّم فيه الخوف والحزن على الجميع، ورفض المغادرة قبل الاطمئنان على الطفل. وبقي ملازمًا له سبعة أيام متواصلة، يبذل كل ما يستطيع من علاج ورعاية حتى تعافى الطفل واستعاد صحته. وقد تحوّلت تلك الحادثة إلى واحدة من المواقف التي يرويها الأهالي بوصفها شاهدًا على إنسانية هذا الرجل وإخلاصه النادر.
كما كان له دور بارز في علاج المصابين بمرض الملاريا، الذي كان منتشرًا آنذاك في عدد من مناطق ظفار، حيث أسهم في التخفيف من معاناة الناس، وسخّر وقته وجهده لمواجهة الأمراض والأوبئة رغم قلة الإمكانات وصعوبة الظروف.
وبعد انتهاء الحرب وعودة الأمن والاستقرار إلى ربوع الوطن، عاد- رحمه الله- من منطقة حوف إلى صلالة عام 1983م، وبدأ مرحلة جديدة من العطاء في ظل الدولة الحديثة. ورغم ما عُرض عليه من مناصب ووظائف مرموقة، فإنه اختار أن يبقى قريبًا من رسالته الإنسانية، فالتحق بمستشفى مستشفى السلطان قابوس بصلالة في قسم الجراحة؛ حيث واصل أداء واجبه المهني بكل إخلاص وتفانٍ حتى تقاعده عام 1996م.
وخلال سنوات عمله بالمستشفى، ظل وفيًا لتواضعه وقربه من الناس، فلم تغيّره المناصب ولا سنوات الخبرة، بل بقي ذلك الإنسان البسيط الذي يجد سعادته في خدمة المرضى ومساعدة المحتاجين، ويؤمن أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله هو الأثر الطيب في قلوب الناس.
لقد كان الشيخ الدكتور خالد سعد الحمر- رحمه الله- واحدًا من الرجال الذين صنعوا حضورهم بالعمل الصادق والعطاء الصامت، فلم يكن باحثًا عن الأضواء، بل عن رضا الله ودعوات المرضى والبسطاء. ولهذا بقيت سيرته حيّة في المجالس والذاكرة الشعبية، تستعاد كلما ذُكرت الإنسانية والوفاء والتضحية.

رحم الله الشيخ الدكتور خالد سعد الحمر رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن أبناء ظفار خير الجزاء، فقد عاش عمره طبيبًا للناس، وإنسانًا يسكن القلوب قبل الأماكن، وترك وراءه سيرةً ستظل تُروى للأجيال بوصفها حكاية رجلٍ جعل من الطب رسالة رحمة، ومن حياته جسرًا لعبور آلام الآخرين نحو الأمل والشفاء.
