حاتم الطائي
◄ فرص عظيمة تلوح في الأفق الآن أمام عُمان.. وينبغي اقتناصها
◄ موانئ عُمان قادرة على أن تكون حلقة وصل مركزية في المنطقة والعالم
◄ تنمية التعليم التقني والمهني تُكمل منظومة الإصلاح الاقتصادي
ثمَّة استراتيجية واضحة المعالم تتبنّاها سلطنة عُمان لتعزيز التنويع الاقتصادي، وقد حققنا إنجازات مختلفة على هذا المضمار، لكن ما لم نتمكَّن من تفعيله حتى يومنا هذا هو "عبقرية المكان العُماني"، ليس فقط لتمركزنا الجيواستراتيجي خارج مضيق هرمز، لكن الأهم والأشد تأثيرًا امتدادنا الجغرافي على المُحيطات المفتوحة من رأس مسندم شمالًا وحتى ظفار جنوبًا، لتقف عُمان شامخة في قلب الخريطة مُمسِكةً بطرق الملاحة البحرية، شرقًا وغربًا، علاوة على تنوُّع مواردنا الطبيعية، وفرادة جغرافيتنا المتعددة التضاريس، وغيرها من المزايا الاستراتيجية التي إذا ما وظفناها في إطارها المنشود، نتحوَّل إلى مركز إقليمي رائد في التجارة الدولية واللوجستيات.
نقول ذلك ونحن نُؤمن إيمانًا راسخًا بأنَّ الفرص العظيمة التي تلوح في الأفق الآن أمام عُمان، ينبغي استثمارها وعدم التردد في الاستفادة منها؛ فحركة التجارة العالمية تواجهها عواصف عاتية، بينما تشتعل المنطقة بحرب عبثية فشل من أوقدوا نارها في تحقيق أي هدف، في حين تدفع دول المنطقة والعالم الثمن! لكن عُمان وكما أسهمت بدور فاعل وحيوي في مفاوضات السلام وإرساء الاستقرار الإقليمي، فإنها قادرة ومؤهلة- على أعلى درجة- لكي تحقق الرخاء الاقتصادي والازدهار لدول الإقليم والعالم، وذلك من خلال التحوُّل إلى مركز لوجستي رائد ورئيسي في المنطقة، يرتكز في تفرُّده أولًا وقبل كل شيء على "عبقرية المكان". غير أنَّ هذا التحوُّل ولكي يتحقق بالكامل لا بُد له من إجراءات عاجلة وقرارات لا تقبل التأجيل، ويمكن تقسيم هذه القرارات إلى شقين: لوجستي اقتصادي، وقانوني إجرائي.
أما فيما يتعلق بالجانب اللوجستي الاقتصادي، فإنَّ الاستفادة من الموانئ العُمانية المختلفة تمثل الركيزة الأساسية لتحقيق النجاح في هذا الجانب، وهنا نتحدث عن موانئ صلالة والدقم وصحار، حتى ميناء السلطان قابوس في مطرح، لا بُد أن يعود ميناءً تجاريًا كما كان في السابق، فلا يُمكن التخلص من مزاياه الاستراتيجية وحصرها فقط على السفن السياحية الموسمية، حتى بدا الميناء في فترات ما بعد الموسم السياحي وكأنه أرض مهجورة. وتطوير وتحديث ميناء صلالة يجب أن يشمل إنهاء الاتفاقية الحصرية مع شركة ميرسك العالمية، والذي حسب بعض المصادر ينتهي الامتياز الموقع بين الميناء والشركة بحلول العام المُقبل، لكن في حقيقة الأمر لا ينبغي انتظار قرابة العام ونصف العام، لكي نُعزز من مكانة ميناء صلالة، في ظل ما يُمكن تقديمه من خدمات بحرية وتجارية عبره، لا سيما مع ارتباطه اللوجستي مع المنطقة الحرة في المزيونة، التي تمثل معقلًا صناعيًا ولوجستيًا عالي المستوى. ولا ريب أن رفع كفاءة الميناء سيخدم الحركة التجارية الدولية، بفضل الموقع الاستراتيجي له على بحر العرب ومباشرته لخطوط الملاحة الدولية بالقرب من مضيق باب المندب، علاوة على مكانته كأحد أبرز الموانئ على المسارات البحرية المتجهة إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
أيضًا ميناء صحار، وتميُّزه اللوجستي بارتباطه مع المنطقة الحرة في صحار، قادر على الإسهام بفاعلية في تطوير منظومة النقل والتجارة البحرية، خاصةً مع الجهود المتواصلة لتعزيز الربط مع خطوط النقل البري عبر دول مجلس التعاون الخليجي. هذا إلى جانب رفع كفاءة الموانئ الأخرى الأقل حجمًا مثل ميناء السويق وخصب وغيرهما، لتكون هذه الموانئ رافعة استراتيجية تساعد على تعزيز التنويع الاقتصادي المُستنِد على الاستفادة من المقومات الجيواستراتيجية والركائز اللوجستية القائمة.
وبمحاذاة قطاع النقل البحري، يجب تسريع وتيرة العمل على توسيع نطاق الخدمات الجوية، عبر تحويل مطار مسقط الدولي إلى واحدٍ من المطارات الإقليمية الرائدة في خدمات الترانزيت واستقطاب كبرى طائرات الركاب والشحن على حدٍ سواء، لا سيما وأنَّ الأحداث الأخيرة كشفت أن المسار الجوي في سماء سلطنة عُمان كان الأكثر أمانًا بين جميع دول المنطقة. ويحدونا الأمل أن تُسهم المنطقة الحرة لمطار مسقط الدولي، في رفع الجاهزية؛ باعتبارها مركزًا حيويًا للاستثمار والخدمات اللوجستية، وأن تندرج ضمن شبكة الموانئ البرية والبحرية، وأن تعقد شراكات مع مختلف الشبكات اللوجستية حول العالم، خاصةً وأنها تزخر ببنية أساسية متطورة، وميزات تنافسية تجذب المستثمرين.
لكن في الوقت نفسه، يتعين تطوير مطارات صحار والدقم وصلالة، لكي تتحول إلى مطارات دولية تستقبل الرحلات العابرة للحدود، مع إتاحة الفرص المتنوعة لإقامة استثمارات نوعية فيها.
ومع تزايد التحديات المتعلقة بتعزيز التنويع الاقتصادي، فإنَّ الإسراع في بناء قوة لوجستية حقيقية لسلطنة عُمان، يتطلب عدة مُمكِّنات أساسية، وعلى رأسها: المزيد من الإصلاحات الاقتصادية، وتحرير الاقتصاد من المُعوقات التي يشكو منها أصحاب الأعمال، ويعلمها المسؤولون، والأهم من ذلك- ونؤكد عليه دائمًا- ضرورة بناء قطاع خاص قوي ومثابر ومُبادر، قادر على الاستثمار وتحقيق أرباح دون منافسة حكومية.
ولا شك أنَّ التحديث المستمر للتشريعات أمر بالغ الضرورة، من شأنه أن يواكب مُستهدفات رؤية "عُمان 2040"، ويتماهى مع المرتكزات الاستراتيجية التي تقوم عليها الرؤية، والتي تحظى باهتمام سلطاني سامٍ، يجري التأكيد عليه في مختلف المحافل. ومن هُنا نرى أنَّ على مجلس عُمان تحديًا عاجلًا، يتمثل في استمرار مراجعة القوانين والتشريعات المُنظِّمة والمُيسِّرة لممارسة الأعمال واستقطاب الاستثمارات.
وتحقيق هذه الخطوات مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتعزيز إسهامات القطاع المصرفي في التنمية الاقتصادية، فلا يُعقل أن البنوك التي تحقق أرباحًا بمئات الملايين من الريالات، غير قادرة على دعم القطاع الخاص، ولا أنها عاجزة عن ضخ تمويل مُيسَّر يساعد القطاع الخاص على التوسع. فرغم أن معدلات التضخم لدينا تُعد الأقل بين دول المنطقة، إلّا أن سعر الفائدة على الإقراض هو الأعلى إقليميًا مع شروط إقراض بالغة التعقيد.
ولن يكتمل الإصلاح الاقتصادي دون تطوير قطاع التعليم، والاهتمام بالتعليم التقني والمهني، لأسباب عدة، من بينها أن المسارات التقنية والمهنية تساعد على تخريج كفاءات متميزة في وقت أسرع من التعليم الجامعي، بل إنها تُمهِّد كذلك الطريق لهؤلاء الطلبة للالتحاق بالتعليم الجامعي وهم في حالة جاهزية أعلى من نظرائهم في التعليم العام.
ويبقى القول.. إنَّ السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يُطرح بكل شفافية: كيف يمكن تحويل موقعنا العبقري إلى قوة لوجستية حقيقية؟ والإجابة لا تكمُن فقط فيما نطرحه- نحن وغيرنا- من أفكار، وإنما في إبداء الإرادة القوية في اغتنام الفرص وتوظيفها لصالح المواطن العُماني، الذي يُريد أن يُساهم في بناء وطنه، لكنه يرى التحديات تُعيقه عن ذلك، ومن هنا نوجه دعوةً مفتوحةً لإطلاق تصوُّرٍ وطنيٍ يستهدف تحويل عُمان لمركز لوجستي رائد ورئيسي في المنطقة في غضون عام من الآن؛ فالفرص لا تنتظر أحدًا!
