حاتم الطائي
◄ ضرورة تعظيم الاستفادة من المزايا النوعية والاستراتيجية لاقتصادنا الوطني
◄ "منطقة الدقم" نقطة ارتكاز اقتصادي وبوابة لوجستية للمنطقة والعالم
◄ مسندم مركز ثقل استراتيجي تتطلع لمزيد من التنمية الاقتصادية
على مدى عقود ارتكزت القاعدة الاقتصادية في عُمان، على عائدات النفط والغاز، دون تحوَّلٍ حقيقي نحو منظومة اقتصادية متنوعة تعتمد على الإنتاج والتصنيع بدلًا من بيع الموارد الطبيعية والمواد الخام، دون أي قيمة محلية مُضافة، غير أنَّ ما نشهده في السنوات الأخيرة، وتضاعف مع انطلاق مسيرة النهضة المُتجددة، يُؤكد أننا انطلقنا فعليًا على مسار تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد بدرجة كبيرة على منظومة الاقتصاد الريعي؛ أي أننا بدأنا رحلة العلاج من "المرض الهولندي"، ونقترب كثيرًا من الأهداف التي وضعناها من أجل بناء نظام اقتصادي قائم على التنوع والإنتاج والقيمة المُضافة.
واقتصادنا الوطني يتمتع بمزايا نوعية واستراتيجية بات يعلمها القاصي والداني، وزاد من قيمة هذه المزايا ما تشهده المنطقة والعالم من تطورات متغيرات جذرية؛ الأمر الذي يفرض على مؤسساتنا العمل على توظيف هذه المزايا. ولا شك أنَّ هناك جهات معنية ومؤسسات بدأت هذا الجهد، وأصبح ملحوظًا ولافتًا، في صورة استثمارات نوعية وخطوات رائدة يجري اتخاذها. وإذا ما تحدثنا عن القطاع الصناعي، نلمس جهودًا رائدة بذلتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، من خلال حزم الحوافز التي تُعلن عنها بين الحين والآخر، للتسهيل على المستثمرين وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، ويكفي أن نعلم أن حجم الاستثمار الأجنبي في القطاع الصناعي قفز إلى 3.49 مليار ريال بنهاية العام الماضي، بنمو سنوي بلغ 24.6%، وهي نسبة كبيرة تؤكد حيوية هذا القطاع ومدى إسهامه في نمو الاقتصاد؛ إذ بلغت مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي نحو 3.8 مليار ريال، محققة نموًّا بنسبة 7.2%. وهذه أرقام مُبشِّرة وواعدة للغاية، تؤكد أننا ماضون على المسار الصحيح، لتنويع الاقتصاد، وتحقيق المزيد من الإيرادات غير النفطية، والتي من المتوقع أن تصل خلال العام المالي الجاري إلى 3.734 مليار ريال.
وبالتوازي مع هذه التطورات، نلمس كذلك طفرة واضحة في المشاريع الاستثمارية في المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، وأخص بالذكر هنا المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، والتي نرى أنها الركيزة الاقتصادية المستقبلية الواعدة، في ظل التطورات الجيوسياسية التي تحيط بنا، والدور المأمول والفاعل من هذه المنطقة أو مينائها في رفد اقتصادنا الوطني بعوامل قوة إضافية، تزيد من الإيرادات العامة للدولة، وتدعم جهود التنويع الاقتصادي، وتُعزز أدوار القطاع الخاص، سواء من خلال الاستثمارات المحلية أو الاستثمار الأجنبي. هذا إلى جانب الدور المحوري والفريد لمصفاة الدقم، والتي حققت أرباحًا بنحو 106 ملايين ريال عُماني خلال عام 2025، وهي واحدة من كبرى المصافي في المنطقة، وتعمل على تصدير المشتقات النفطية عبر ميناء الدقم البعيد عن مناطق الاختناق الجيوسياسي؛ حيث نجحت في تصدير أكثر من 19 مليون طن من المنتجات المكررة إلى أسواق مُتعددة حول العالم.
والحقيقة أن المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة، بجانب المناطق الصناعية، يجب أن تكون القاطرة الاقتصادية، فنحن في عُمان مؤهلون للغاية لأن يكون اقتصادنا اقتصادا صناعيا إنتاجيا، قائما على توظيف التقنيات الحديثة والاعتماد على الكفاءات الوطنية الماهرة المتخصصة، وذلك بفضل توافر المقومات اللازمة لذلك. وهنا نشير بكل فخر إلى المنطقة الحرة في صحار، وميناء صحار، وهما ركيزتان اقتصاديتان تدعمان التحول نحو نموذج اقتصادي قائم على التصنيع والخدمات اللوجستية المتطورة، والصناعات التصديرية. ويكفي أن نعلم أن عدد المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة والمدن الصناعية القائمة يبلغ 15 منطقة، بإجمالي استثمارات تزيد على 20 مليار ريال، عوضًا عن وجود حوالي 8 مناطق جديدة قيد الإنشاء والتطوير من بينها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالظاهرة، والقريبة من الحدود العُمانية السعودية، وجميعها تتمركز في مواقع استراتيجية تُعزز الربط والتشابك مع الاقتصادات الخليجية والدولية، وكذلك نحو 5 مناطق صناعية جديدة في عدد من الولايات. وهذا يعني أننا أمام منظومة اقتصادية واسعة، تستهدف تنويع الاقتصاد، من خلال الاعتماد على القطاع الصناعي كقاطرة اقتصادية تحقق التنمية والرخاء والازدهار.
ولا يمكن الحديث عن القطاع الصناعي دون إبراز أهمية التصدير الذي يُسهم بدور محوري في دعم القاعدة الاقتصادية، وتعزيز متانتها؛ حيث زادت الصادرات الصناعية غير النفطية لتبلغ 6.8 مليار ريال خلال عام 2025، بنسبة ارتفاع 10.5% مقارنة بعام 2024. لكننا نطمح لأن ترتفع هذه الأرقام بصورة أكبر، بما يتماشى مع مُستهدفات رؤية عُمان 2040، ويعزز من جهود هذا القطاع في التوظيف، خاصة وأنه ما يزال العدد الأكبر من العاملين في هذا القطاع من العمالة الوافدة. وهذا يتطلب زيادة برامج التأهيل والتدريب، وإيجاد مسارات تعليمية وأكاديمية تواكب التخصصات الصناعية، لا سيما الصناعات المعتمدة على التقنيات الحديثة، بما في ذلك تخصصات الذكاء الاصطناعي والبرمجة والتحكم في الروبوتات.
ونجاح بناء قاعدة اقتصادية عريضة، تستوعب الباحثين عن عمل وترفد خزانة الدولة بالإيرادات غير النفطية، يعتمدُ كذلك على تحقيق قيمة محلية مضافة، من خلال التوسع في برامج التوريد وتوطين سلاسل الإمداد، ووضع قيود على تصدير المواد الخام، والتشجيع على تصديرها في صورة منتجات وسلع، بالإضافة إلى تشجيع ودعم الصناعات التحويلية وصناعة البتروكيماويات والأسمدة ومشتقات النفط والغاز، وغيرها.
ولتحقيق مزيد من الفاعلية الاقتصادية، يتعين زيادة الربط بين مناطق الإنتاج والموانئ وخطوط النقل البري والمطارات، بما يضمن إيجاد شبكة لوجستية متماسكة، علاوة على فتح مسارات لوجستية أوسع مع دول الجوار، وتعزيز ربط الموانئ العُمانية مع موانئ إقليمية ودولية، تدعم جهود الربط اللوجستي المُتكامل. ولذلك نأمل مزيدًا من الاهتمام بمحافظة مسندم، لتعزيز قوتها الاقتصادية وتوظيف مقوماتها الجيواستراتيجية، باعتبارها مركز الثقل في مضيق هرمز؛ حيث تمر- في مياهها ضمن البحر الإقليمي العُماني في الخليج العربي- مئات السفن والحاويات وناقلات النفط.
ومما يُؤكد نجاح الخطوات الاقتصادية المبذولة، ما نلمسه من أدوار بنَّاءة لجهاز الاستثمار العُماني؛ سواء فيما يتعلق بتعزيز محفظة التنمية الوطنية والتي تضم أكثر من 160 شركة محلية بإجمالي أصول 13.09 مليار ريال عُماني وأرباح بلغت 1.8 مليار ريال عُماني العام الماضي، أو من خلال "محفظة الأجيال" التي تشمل الاستثمارات الخارجية بقيمة 8.57 مليار ريال، وبأرباح تخطت المليار ريال العام الماضي. هذه الأرقام تُبرهن محورية إدارة الثروات السيادية، ودورها الفاعل في تنشيط الاقتصاد وتوسيع قاعدته، وكان آخر هذه الجهود وأحدثها تخصيص نسبة 25% من أسهم الشركة العُمانية الهندية للسماد "أوميفكو" للطرح في اكتتاب عام في بورصة مسقط، في خطوة ستجذب الكثير من رؤوس الأموال والاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتُساعد على تعميق سوق رأس المال، وتدعم خطط التنمية المُستدامة، وحوكمة الشركات الحكومية.
ويبقى القول إنَّ هذه التطورات الإيجابية والجهود المبذولة، يجب أن تتواصل بوتيرة أسرع، وأن تعمل على توظيف كافة المقومات، بما في ذلك عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي الكبيرة التي تتمتع بها عُمان، في ظل التحديات الجيوسياسية، وحالة التقلبات الاقتصادية الإقليمية، وتحويل هذه التحديات إلى فرص للازدهار والنمو، بالتعاون مع الشركاء في المنطقة والعالم.
