سُلطان بن خلفان اليحيائي
لم تُهزم الأمّة لأنّ عدوَّها أقوى، بل لأنّها أُديرت حتى نسيت كيف تُدير، واستُنزفت حتى اعتادت النزيف؛ فصار ما يُفرض عليها قدرًا، وما تُدفع إليه خيارًا.
تُروى حكاية: أفاعٍ من الكوبرا حُبست في صندوقٍ زجاجي، جائعةً متحفّزة، يغلي في عروقها السُّم. أُلقي بينها فأرٌ ميّت، لا روح فيه ولا خطر منه، ومع ذلك اشتعلت المعركة؛ التفّت الأجساد، وانغرست الأنياب، وسال السُّم فوق السُّم.
وخارج الصندوق، رجلٌ يبتسم.. لم يقتلها، لم يلمسها، لم يُطلق رصاصة؛ بل منحها سببًا صغيرًا لتفني نفسها بنفسها.
وهنا لا تنتهي القصة.. بل من هنا يبدأ التشابه؛ إذ لم يَعُد الصراع فكرةً تُناقَش، بل اختلاقًا يُدار.
تُصاغ رواياته في غرف مغلقة، وتُغذّى بفتاوى مُستنسخة، مُؤدلجة على مقاس الاصطفاف، ثم تُلقى إلى العقول كأنها حقائق مُسلَّمة.
وليس ذلك تنظيرًا مجرّدًا، بل نمط يتكرّر: تضخيم حدث جزئي، شحنه بخطاب طائفي، ثم دفعه إلى واجهة المشهد حتى يطغى على ما سواه. تُعاد الحكاية، تكبر، تُقدَّس أو تُشيطن، حتى تسير الجموع خلفها بثقةٍ لا يسندها وعي.
ومع الزمن، لا تموت هذه الروايات؛ بل تتجذّر، تُقيّد زاوية النظر، وتختزل العالم في قوالب جاهزة: هذا "خطر شيعي"، وذاك "تهديد إخواني"، وبينهما تضيع الحقيقة.
ليس ما يجري صراع مذاهب ولا تهديدات حقيقية، بل صراع مُستورد؛ أُلبست فيه الموروثات ثوب الدين زورًا، بينما الإسلام الحقّ منها براء، دين جاء رحمة لا وقودًا للاصطفاف.
وهنا يبلغ الاختلال ذروته؛ حين يُصبح الإدراك أسيرًا، لا يرى إلا ما أُريد له أن يرى، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
والموجع.. أنهم لا يُساقون قسرًا، بل وهم يظنّون أنهم يُحسنون صُنعًا.
وخلال عقودٍ قليلة: أُنهك العراق، واستُنزفت سوريا، وتكسّر اليمن، وتفرّقت ليبيا، وانشطر السودان، وبقي لبنان يدور في دوّامةٍ لا تهدأ.
لم تكن استثناءات، بل نمطًا متكرّرًا: تفكيكٌ داخلي يُشعل الشرخ، تغذيةٌ خارجية تُوسّعه، ثم إدارة صراعٍ طويل يستهلك الجميع دون حسم. شروخ صُنعت، ثم وُسّعت، ثم تُركت لتعمل وحدها.. حتى صرنا نحن وقودها.
يوم رُسمت حدود هذه المنطقة على طاولة باردة، لم تُقسَّم الأرض فقط، بل قُسِّمت معها القابليّة للاشتعال. ومنذ ذلك الحين، والمشهد يُدار بالفكرة ذاتها: إشغال المنطقة بنفسها، حتى لا تتفرّغ لعدوّها الحقيقي.
وكلّما اقتربنا من الوعي.. أُلقي إلينا فأرٌ ميّت.
لكن كيف تُدار المعركة دون جيوش؟ الحقيقة أن الفوضى لا تحتاج دائمًا إلى دبّابات؛ يكفي أن يُدار الإدراك: تُنفخ قضية، يُستحضر خلاف، يُستثمر حدث، ثم تُدفع الجموع إلى معركة بلا أفق.
ومع الوقت، يتحوّل الوهم إلى أولوية، والثانوي إلى مصير، ويُعاد تشكيل العدو.. حتى يصبح الأخ خصمًا.
وهنا تبلغ الفتنة ذروتها: حين نقاتل نحن.. ويكتفي الآخر بالمشاهدة.
أيّها النظام العربي.. إلى متى؟ لم يَعُد السؤال: من المتآمر؟ بل: لماذا نقبل الدور ذاته كلّ مرّة؟ لماذا تُدار السياسات بردّ الفعل؟ ولماذا يُسلَّم القرار لمن لا يرى فينا إلا مصلحةً مؤقتة؟
الحقيقة القاسية: أن الخوف من كلفة الاستقلال صار أكبر من كلفة التبعية؛ فاخترنا السلامة المؤقتة، وخسرنا القدرة الدائمة.
ليست الشعوب غائبة، بل مُغلقة الصوت، مُثقلة، ومحرومة من التأثير. ولو سُمح لها.. لقالت: لا نريد واقعًا يُفرض باسمنا، ولا تحالفات تُبنى فوق إرادتنا. وإن قامت.. فهي النصير، والجبهة، والركن المتين.
نقاتل.. نعم. لكننا لا نحصد إلا مزيدًا من الاستنزاف.
لا اقتصاد يُبنى، ولا هيبة تُستعاد. وتُرحَّل القضايا الكبرى: فلا تحرير للأراضي المحتلة، ولا استعادة للمسجد الأقصى، ولا إعمار لقطاع غزّة المكلوم. ندور.. ثم نعود إلى البداية!
ليست المسألة صراع مذاهب ولا أعراق، بل صراع إرادة. وأول اختبارٍ لهذه الإرادة: كسر أنماط القطيعة المفروضة، وإعادة ترتيب العلاقات وفق المصلحة، لا الإملاءات من وراء البحار والمحيطات؛ فالقطيعة لم تُنتج قوة، بل فتحت فراغًا ملأه الآخرون، وأبعدت المسار عن الهدف.
المشكلة لم تكن في الفأر الميّت؛ بل في قابليّتنا أن نقتتل عليه. ولم تكن في الاختلاف؛ بل في تحويله إلى وقود دائم للاشتباك. ولم ينتصر العدو لأنه عبقري؛ بل لأننا كنّا مستعدّين أن نؤدّي دور الأفاعي.
فإلى متى نظلّ داخل الصندوق؟
الباب لم يكن مُغلقًا يومًا.. لكنّنا تأخّرنا في الخروج!
