الولايات المتحدة ودول المنطقة.. دعم لمصالحها وحماية للكيان الصهيوني

جان يعقوب جبور

عندما نسأل "كيف تستغل الولايات المتحدة بعض قادة وحكومات الدول العربية لدعم مصالحها وحماية الكيان الصهيوني؟" نُوحي بوجود مخطط واحد مُحكم تتحكم من خلاله واشنطن بكل قادة المنطقة، وهذا تبسيط مخل لواقع أكثر تعقيدًا وتداخلًا.

العلاقة بين الولايات المتحدة ودول عربية مختلفة تقوم على مزيج من المصالح المتبادلة، والضغوط، والحسابات الأمنية، وتوظيف كبار المسؤولين والتحكم بالحكومات بدون الاعتبارات الداخلية لكل دولة، وهذا يدل على "استغلال" أُحادي الاتجاه فقط. ومع ذلك، يُمكن فهم كيف تُدار هذه العلاقة تاريخيًا وسياسيًا، وكيف تنعكس في ملفات مرتبطة بإسرائيل، من خلال تتبع أنماط واضحة في السلوك والسياسات.

منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 بين مصر وإسرائيل برعاية أمريكية، برز الدور الأمريكي كوسيط رئيسي يسعى إلى تثبيت منظومة إقليمية تضمن أمن إسرائيل مُقابل تقديم حوافز سياسية واقتصادية وعسكرية للدول العربية. مصر، على سبيل المثال، أصبحت منذ ذلك التاريخ أحد أكبر مُتلقي المساعدات العسكرية الأمريكية، وهو ما عزّز ارتباط المؤسسة العسكرية المصرية بواشنطن، وخلق نوعًا من التوازن بين المصالح الوطنية المصرية والالتزامات الإقليمية التي فرضتها الاتفاقية. في الأردن، الذي وقّع معاهدة وادي عربة عام 1994، يتكرر النموذج ذاته، ولكن بصيغة مختلفة. تعتمد المملكة بشكل ملحوظ على الدعم الاقتصادي والعسكري الأمريكي، وهو ما يجعل التنسيق السياسي مع واشنطن عنصرًا أساسيًا في استقرارها الداخلي. هذا التنسيق يشمل بطبيعة الحال ملفات تتعلق بإسرائيل، سواء فيما يخص الحدود أو الأمن أو إدارة المقدسات في القدس. ولكن التطبيق من جهة واحدة يعتبر هذا الاتفاق جائرًا وغير متوازن في القرارات والأمن؛ حيث إن مصلحة الكيان الصهيوني هي الأساس.

في منطقة الخليج، تتخذ العلاقة شكلًا أكثر وضوحًا من حيث تبادل المصالح. تعتمد دول الخليج منذ عقود على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، في مواجهة تهديدات إقليمية مثل إيران، من خلال وجود قواعد أمريكية متفاوتة الحجم والعدد مما يجعلها دولة في قلب الدولة المضيفة بدون أي سُلطة عليها. وقد أثبت العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران أنَّ هذه القواعد وُجِدت على أرضهم لحماية إسرائيل ولاستعمالها بعدوانها على دول عربية أخرى ومنها فلسطين. في المقابل، تدعم هذه الدول سياسات أمريكية أوسع في المنطقة، بعضها يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني. وقد تُوّج هذا المسار باتفاقيات "أبراهام" عام 2020، حين وقّعت الإمارات والبحرين اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل برعاية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آنذاك، ثم لحقت بهما المغرب والسودان في صيغ مختلفة. هذه الاتفاقيات لم تكن نتاج "استغلال" مباشر بقدر ما كانت نتيجة حسابات استراتيجية لهذه الدول، التي رأت في التقارب مع إسرائيل فرصة لتعزيز علاقاتها مع واشنطن، والحصول على مكاسب مثل صفقات أسلحة متطورة أو اعترافات سياسية، كما حدث مع اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في ديسمبر 2020. ولكن للأسف هذه الاتفاقيات انصبت لمصلحة إسرائيل على حساب هذه الدول.

وفي سياق الجدل الدائر حول طبيعة الدور الأمريكي في إعادة تشكيل بعض الفواعل في المنطقة، برزت خلال السنوات الأخيرة روايات وتحليلات وأغلبها حقائق تتحدث عن محاولات واشنطن التأثير في مسارات بعض الشخصيات والتنظيمات والحكومات ومثالًا على ذلك ما حصل داخل الساحة السورية، سواء عبر الضغط أو إعادة التموضع أو فتح قنوات غير مباشرة. وقد ذهبت بعض هذه القراءات إلى حدّ اعتبار أن صعود شخصيات معيّنة لم يكن بعيدًا عن حسابات دولية أوسع، وإن لم تُترجم هذه الطروحات إلى مواقف أو إعلانات رسمية واضحة من الإدارة الأمريكية.

ويعكس تصريح الرئيس ترامب الأخير بشأن "تنصيب" أحمد الشرع رئيسًا لسوريا، الطبيعة التفاعلية والبراجماتية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية في التعامل مع ملفات المنطقة. هذا التصريح، وما رافقه من تحولات ميدانية وسياسية في عامي 2025 و2026، يُسلِّط الضوء على عدة أدوات تتبعها واشنطن للتأثير على قرارات الدول العربية ومنها: سياسة "الشرعية المشروطة" والاعتراف السياسي، والاقتصاد كأداة تطويع (الجزرة والعصا)، والمقايضات الأمنية (منطق "الحماية مقابل المواقف") والتغيير الجذري في "قواعد اللعبة"، وكل هذا يصب في مصلحة الكيان الصهيوني من توسع وقتل وتدمير وتهجير وتفتيت للبلدان العربية.

المساعدات العسكرية والاقتصادية تُعد من أبرزها؛ إذ تُقدَّم سنويًا مليارات الدولارات لدول مثل مصر والأردن. كما تمارس صفقات السلاح دورًا محوريًا؛ حيث تمنح واشنطن حلفاءها في المنطقة إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا عسكرية متقدمة، مع الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل كشرط ثابت في السياسة الأمريكية. إضافة إلى ذلك، تُستخدم أدوات دبلوماسية مثل الدعم في المؤسسات الدولية أو الحماية من الضغوط، وهو ما يشكل عنصر جذب للعديد من الحكومات. لكن من المهم الإشارة إلى أن القادة العرب ليسوا مجرد أطراف سلبية في هذه المعادلة. لكل دولة حساباتها الداخلية والخارجية، وبعضها يرى في العلاقة مع الولايات المتحدة وسيلة لضمان الاستقرار أو تعزيز موقعه الإقليمي. في حالات أخرى، تتعرض هذه السياسات لانتقادات داخلية، حيث تنظر قطاعات من الرأي العام العربي إلى التقارب مع إسرائيل باعتباره تنازلًا عن القضية الفلسطينية، وهو ما يخلق فجوة بين المواقف الرسمية والشعبية. كما أن هذه العلاقة شهدت توترات في محطات مختلفة. على سبيل المثال، خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000-2005)، واجهت بعض الحكومات العربية ضغوطًا شعبية كبيرة للابتعاد عن إسرائيل، ما دفعها إلى تخفيض مستوى العلاقات أو تجميد بعض أوجه التعاون.

وفي السنوات الأخيرة، أظهرت الحرب في غزة في أعوام متعددة، منها 2014 و2023، مدى حساسية هذا الملف، حيث اضطرت حكومات إلى موازنة علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب من جهة، والضغط الشعبي الداخلي من جهة أخرى.

وفي الختام، لا يمكن اختزال المشهد في فكرة "استغلال" بحت، بل هو شبكة معقدة من المصالح المتبادلة؛ حيث تستخدم الولايات المتحدة نفوذها وأدواتها لتعزيز نظام إقليمي يخدم رؤيتها ويحمي العدو الصهيوني، بينما تتخذ الدول العربية قراراتها ضمن هوامش محدودة أحيانًا وواسعة أحيانًا أخرى، وفقًا لمصالحها وتحدياتها. هذه الديناميكية تفسر كيف تتقاطع سياسات عدد من الدول العربية مع الدعم غير المباشر أو المباشر لإسرائيل، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مسار واحد أو تفسير واحد ينطبق على جميع الحالات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z