ما بعد الدخول في الإسلام.. التحدي الصامت للمسلمين الجدد في الولايات المتحدة


مع تزايد أعداد الداخلين في الإسلام في الولايات المتحدة، تحاول مبادرات محلية في ديترويت تطوير نماذج دعم تتجاوز لحظة التعريف بالإسلام نحو بناء الاستمرارية والانتماء على المدى الطويل.

في أمسية هادئة بمدينة ديترويت، يجلس عدد من الحاضرين في قاعة صغيرة ملحقة بمصلى محلي في غرب المدينة. بعضهم وُلد داخل عائلات مسلمة، وبعضهم الآخر دخل الإسلام حديثًا ولا يزال في بداية الطريق يتعلّمون الصلاة، ويحاولون التكيّف مع نمط حياة جديد، ويبحثون عن إجابات لأسئلة تمتد من الجانب الديني إلى تفاصيل الحياة اليومية: كيف يمكن بناء حياة جديدة داخل مجتمع مختلف؟ وكيف يمكن للإنسان أن يجد شعورًا بالانتماء بعد تحوّل كبير في هويته الدينية؟

إحدى الحاضرات، وقد دخلت الإسلام قبل أشهر، كانت تتابع الشرح بهدوء وتحاول تدوين بعض الملاحظات السريعة. وتقول إن أصعب ما واجهته لم يكن قرار الدخول في الإسلام نفسه، بل ما تبعه من تغيّرات قاسية في حياتها الشخصية والاجتماعية. فمع رفض أسرتها الكامل للدين الجديد، وخصوصًا بعد أن بدأت ترتدي الحجاب وترتاد المسجد بانتظام، وجدت نفسها معزولة عن عائلتها بالكامل بعد أن قرروا قطع علاقتهم بها ورفض التواصل معها.

وتضيف أن ذلك ترك لديها شعورًا عميقًا بالقلق والخوف والإرهاق النفسي، خصوصًا مع شعورها بأنها فقدت بيئتها الاجتماعية دفعة واحدة. وتقول إنها لا تعرف كيف كانت ستتجاوز تلك المرحلة لولا الدعم الذي وجدته داخل معهد الدعوة، من الأخوات، والمتابعة الاجتماعية والتعليمية، والجلسات التوجيهية، وهو ما ساعدها تدريجيًا على استعادة شعورها بالأمان والانتماء، وإعادة بناء حياتها واستعادة توازنها النفسي.

وتقول أيضًا: “الإسلام جمع ما كان ممزقًا داخلي، وجعلني أرى الحياة كوسيلة لرضا الله، لا كغاية لإرضاء نفسي والناس.”

مثل هذه المشاهد لا تحضر كثيرًا في التغطيات الإعلامية العامة. فغالبًا ما يُسلَّط الضوء على لحظة الدخول في الإسلام بوصفها حدثًا لافتًا، بينما تبقى المراحل اللاحقة أقل حضورًا، رغم أنها تمثل الاختبار الحقيقي بالنسبة لكثير من الداخلين حديثًا في الإسلام.

ولا تبدو هذه الحالات فردية أو معزولة، بل تعكس ظاهرة أوسع بدأت تلفت انتباه المؤسسات الإسلامية والباحثين في السنوات الأخيرة.

خلال السنوات الأخيرة، بدأت مؤسسات ومبادرات إسلامية في البلاد بإعادة النظر في طبيعة العمل المجتمعي والدعوي، ليس فقط من زاوية التعريف بالإسلام، بل من زاوية الدعم المستمر. وتشير تقديرات نشرها مركز Pew Research Center عام 2017 إلى أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة قد يصل إلى نحو 8.1 مليون مسلم بحلول عام 2050، مقارنة بحوالي 3.45 مليون عام 2017، مع توقّعات بأن يصبح الإسلام ثاني أكبر ديانة في البلاد بعد المسيحية.

كما تشير تقارير ودراسات إعلامية متداولة إلى أن عشرات الآلاف يدخلون الإسلام سنويًا في الولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه شريحة من الوافدين الجدد إلى المجتمع المسلم تحديات تتعلق بالاستمرارية والاندماج والدعم المجتمعي. وقد تناولت أبحاث ومبادرات بحثية مرتبطة بمؤسسة Yaqeen Institute قضايا الهوية والانتماء والتحديات الاجتماعية التي تواجه بعض المسلمين الجدد في المجتمعات الغربية.

وبالنسبة لعدد من العاملين في المجال المجتمعي، لا يكمن التحدي في الوصول إلى الأفراد فحسب، بل في القدرة على مرافقتهم بعد ذلك، خصوصًا في المراحل الأولى التي تلي التحوّل الديني وما يرافقها من أسئلة اجتماعية ونفسية ومعرفية متشابكة.

وفي خضم هذه التحديات، برزت مبادرات محلية في ديترويت تسعى إلى تطوير نماذج أكثر تنظيمًا في التعامل مع هذه المرحلة، من بينها تجربة معهد الدعوة (Dawah Institute)، الذي أسّسه الإمام أيهم مشمشان (Imam Ayham MishMishan) ويشرف عليه، ويقدّم برامج في التعليم الديني والدعم المجتمعي ومتابعة المسلمين الجدد.

وُلد مشمشان في مدينة حلب السورية عام 1985، ودرس الاقتصاد والعلوم الإسلامية والعلوم الصيدلانية، كما تدرّج في التحصيل الشرعي على أيدي عدد من العلماء البارزين في العالم الإسلامي. ومع انتقاله لاحقًا إلى الولايات المتحدة واحتكاكه بالواقع الاجتماعي الأمريكي، اتجه نحو تطوير مقاربة مختلفة للعمل المجتمعي والدعوي داخل المجتمعات الغربية، خصوصًا في ما يتعلق بالمسلمين الجدد والتحديات المرتبطة بالاندماج وبناء الاستقرار الاجتماعي والديني.

ويقول مشمشان: “الكثير من الناس يركّزون على لحظة البداية، لكن ما يحدث بعد ذلك هو الجزء الأصعب. الإنسان يحتاج إلى بيئة تساعده على الاستمرار، لا مجرد معلومات يسمعها أو ممارسات يؤديها دون شعور حقيقي بالانتماء.”

وتُظهر تجارب داخل عدد من الجاليات الإسلامية أن مرحلة “ما بعد الدخول في الإسلام” تتضمن تحديات متعددة، من بينها التعلّم التدريجي، والتكيف مع الأسرة والمحيط الاجتماعي، إضافة إلى بناء علاقات جديدة داخل المجتمع المسلم.

وفي هذا الإطار، يعمل معهد الدعوة على تطوير برامج تقوم على المتابعة المستمرة، عبر جلسات تعليمية صغيرة، ولقاءات توجيهية، ومساحات مفتوحة للنقاش وطرح الأسئلة اليومية، في محاولة لبناء بيئة أقرب إلى الواقع اليومي للمسلمين الجدد. ويقول القائمون على هذه المبادرات إن بناء الشعور بالانتماء لا يقل أهمية عن الجانب التعليمي، خصوصًا في المراحل الأولى بعد الدخول في الإسلام.

وفي كثير من الأحيان، لا تقتصر الأسئلة المطروحة داخل هذه اللقاءات على الجوانب الدينية فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: العلاقات العائلية، وطبيعة الاندماج داخل المجتمع المسلم، وكيفية التعامل مع الشعور بالعزلة أو التغيّر المفاجئ في نمط الحياة بعد التحوّل الديني.

ويقول أحد مديري المراكز الإسلامية البارزة في منطقة ديترويت، فضّل عدم الكشف عن اسمه لعدم تخويله التصريح للإعلام: “التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في لحظة البداية، بل فيما يحدث بعدها. كثير من المبادرات تبدأ بقوة، لكنها تواجه صعوبة في بناء الاستقرار على المدى الطويل”.

وتعكس هذه المقاربة تحولًا أوسع داخل بعض المؤسسات الإسلامية، حيث يجري التفكير في بناء منظومات دعم طويلة المدى بدل الاكتفاء بالفعاليات العابرة. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المجتمعات الدينية عمومًا أسئلة متزايدة تتعلق بالهوية والانتماء والتكيف مع التحولات الاجتماعية.

ورغم ذلك، لا يخلو بناء هذا النوع من النماذج من تحديات متعددة. فالمؤسسات الصغيرة غالبًا ما تواجه صعوبات تتعلق بالموارد، والقدرة على التوسع، والحاجة إلى كوادر مؤهلة للمتابعة المستمرة.

ويضيف مشمشان: “المطلوب اليوم هو بناء مؤسسات تفهم الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، وتساعده على تحقيق التوازن والاستقرار، بدل الاكتفاء بردود الأفعال المؤقتة”.

ومع تزايد الحديث داخل بعض الأوساط الإسلامية عن أهمية “الدعم المستمر” بدل التركيز على “لحظة البداية” فقط، تبدو هذه المبادرات محاولة للإجابة عن سؤال أوسع: كيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تتحول من أماكن للتعريف فقط، إلى بيئات قادرة على المرافقة والدعم على المدى الطويل؟

مع اقتراب نهاية اللقاء، يغادر الحاضرون القاعة بهدوء. لا كاميرات، ولا خطابات كبيرة، بل أحاديث قصيرة وأسئلة يومية ومحاولات لفهم طريق جديد.

هناك، بعيدًا عن لحظة الشهادة التي يراها الجميع، تبدأ الأسئلة الأصعب.. ويبدأ ذلك العمل الهادئ الذي لا تلتقطه الكاميرات، لكنه يترك أثره العميق في حياة كثيرين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z