محمد بن رامس الرواس
المدن الحديثة في حقيقتها عبارة عن منظومات وعيٍ تُدار باستراتيجيات وعقول تُخطّط بإخلاص، وقلوب تؤمن أنَّ المستقبل الواعد سيأتي بعون الله تعالى وتوفيقه مع الاجتهاد وبذل العطاء.
ومن هذا المنطلق، يأتي الاعتراف بمدينة صلالة كمركز للمرونة الثاني خليجيًا والثالث عربيًا كتعبير حقيقي عن جهد ونجاح مستحق ومسار حضاري يُحتذى به؛ حيث إنَّ الدخول في إطار المبادرات العالمية، وعلى رأسها إطار "سنداي" للحد من مخاطر الكوارث، لا يعني مجرد الالتحاق بركب دولي، بل هو إعلان صريح بأن هذه المدينة قد اختارت أن تكون في هذا الموقع بالفعل وفي دائرة الاهتمام لا الانتظار في ميدان التخطيط حيث لا ارتجال بل حقائق ومعطيات، وهنا تتجلى الرؤية العُمانية العميقة التي أدركت أنَّ إدارة المخاطر ليست خياراً طارئًا، بل ضرورة مُلحة للمستقبل.
مدينة صلالة اليوم لا تُقدِّم نفسها كمدينة تواجه المخاطر، بل كمدينةٍ تُعيد تعريف العلاقة معها، فهي لم تعد تنتظر الكارثة لتستجيب، بل تُبادر لتستبق، ولم تعد تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى لصناعة بيئة تقلّ فيها احتمالاتها. وهذا التحول من "الاستجابة" إلى "الجاهزية" هو جوهر المدن الذكية التي تقرأ المستقبل بعين الأمين على وطنه.
ولعل الأهم من ذلك أن هذا الاعتراف لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة عملٍ مؤسسي متكامل قاده مكتب محافظ ظفار والجهات المختصة، استطاع خلالها أن يوائم بين الخطط المحلية والمعايير الدولية، وأن يربط بين المعرفة والخبرة الميدانية، وأن يفتح نوافذ التواصل ليكون التعلم والتطوير متجددين وهذا نابع من صميم رؤية "عُمان 2040".
إن تواجد مدينة صلالة على الخارطة الدولية كأول مدينة عُمانية في هذا المجال هو إنجاز وامتداد للمشهد العام للسلطنة الذي يراهن المواطن والمسؤول فيه على الاستثمار في أمنه وأمن دولته، ويؤمن بأنَّ الاستقرار ليس حالة جامدة، بل عملية ديناميكية تُبنى يومًا بعد يوم.
وفي هذا السياق لا ننسى دور المجتمع الذي أصبح شريكًا في صناعة أسس الأمان، فحين يتحول المواطن من متابع للأحداث إلى مساهم في إدارتها فإننا نكون أمام مجتمع حي، لا تُفاجئه الأزمات، بل يسبقها بخطوات.
إنَّ صلالة بهذا التحول، لا تكتب إنجازًا إداريًا فحسب، وإنما ترسم ملامح وطن متجدد في إدارة المدن، قوامها: الوعي، والشراكة، والاستباق، وهي بذلك تُعزز مكانتها كبيئة آمنة للاستثمار ونموذج حضاري يُعيد تعريف معنى التنمية في عصر المخاطر.
