سلطان الخضوري
"وصفها بالدولة الآمنة".. خلال إحدى مشاركاتي الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في ولاية أيوا، وأثناء زيارة لإحدى المناطق النائية ضمن جدول البرنامج، دخلت أحد المطاعم لاحتساء القهوة. كنت أضع شعارًا يحمل علم سلطنة عُمان، فسألني أحد الموجودين بدافع الفضول: علم أي دولة هذا؟ فأجبته: عُمان. ثم سألني أين تقع، فقلت له: في شبه الجزيرة العربية، وتحديدًا إحدى دول الخليج. فبادرني بدهشة قائلاً: الدولة القريبة من اليمن؟ ثم أكمل قائلا: (The peaceful country).
شعرت حينها بسعادة كبيرة، لأنَّ سمعة وطني سبقتني إلى ذلك المكان البعيد. لم يكن ذلك نتيجة حملات ترويجية أو شعارات عابرة، بل لأنَّ عُمان صنعت لنفسها نهجًا واضحًا عُرف بالأمان، والحياد، والهدوء، والدبلوماسية. وهي قيم أصبحت جزءًا من هوية هذا الوطن العزيز. والهوية في معناها الحضاري هي جوهر الشيء وحقيقته، كما أن لكل حضارة من الحضارات أصالة تعبّر عن جذورها وامتدادها. فالأصالة هي أصل الشيء ونسبه الذي ينتسب إليه، وهي في الثقافة تمثل الجذور الراسخة التي لا يمكن استبدالها، وإنما يمكن إضعافها أو تعزيزها وتقويتها لتنتقل إلى الأجيال القادمة.
وكما ورد عن خير البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أهل عُمان: "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك"، وهو قول يحمل دلالة عظيمة على ما عُرف به العُماني منذ القدم من حسن الخلق، واللين، والاحترام. ومن الأقوال الخالدة في وجداننا نحن العُمانيين، ما قاله الراحل المغفور له السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-: "إن الذي ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل"، وهي كلمات تختصر أهمية التاريخ والتراث في بناء الأمم. كما تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في أحد خطاباته السامية بالنهوض بالهوية قائلًا: "نهيب بأبنائنا وبناتنا بالتمسك بالمبادئ والقيم التي كانت وتظل ركائز تاريخنا المجيد، فلنعتز بهويتنا العمانية وثقافتنا، ولنحافظ على موروثنا الأخلاقي والحضاري". وأكد جلالته- أيده الله- في خطاب آخر أمام مجلس عُمان على ذلك حين قال "إننا إذ نرصد التحديات التي يتعرَّض لها المجتمع ومدى تأثيراتها غير المقبولة في منظومته الأخلاقية والثقافية؛ لنؤكد على ضرورة التصدي لها، ودراستها ومتابعتها، لتعزيز قدرة المجتمع على مواجهتها وترسيخ الهوية الوطنية، والقيم والمبادئ الأصيلة، إلى جانب الاهتمام بالأسرة؛ لكونها الحصن الواقي لأبنائنا وبناتنا من الاتجاهات الفكرية السلبية، التي تخالف مبادئ ديننا الحنيف وقيمنا الأصيلة، وتتعارض مع السمت العُماني الذي ينهل من تاريخنا وثقافتنا الوطنية".
غير أنَّ العالم يشهد اليوم متغيرات متسارعة، من تطور تقني، وتبدل في أنماط الحياة، وانفتاح واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يحمل معه بعض التأثيرات السلبية على الأجيال الحديثة إذا غاب التوجيه والوعي. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز المحتوى المحلي المرتبط بالأصالة العُمانية، باعتباره وسيلة مهمة للحفاظ على الهوية وصون الموروث الثقافي والتاريخي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم المحتوى بأساليب تواكب اهتمامات الأجيال الجديدة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، والمناهج التعليمية، والبرامج الثقافية، والألعاب والرياضات التقليدية، وغيرها من الوسائل الحديثة التي تقرب التراث إلى الشباب والاطفال بلغة يفهمونها ويحبونها.
كما أن تعزيز المحتوى المحلي للأصالة العُمانية يحقق قيمة مضافة للسياحة الوطنية على سبل المثال لا الحصر، فالكثير من الزوار يبحثون عن التجارب الثقافية الأصيلة، ويرغبون في التعرف على تاريخ الشعوب وعاداتها وتقاليدها. كما إن استقرار الهوية مرتبط باستقرار الأمن وهو العامل الأساسي لبيئة استثمار محفزة ومستقطبة لاستثمار مما يُعزز توطين الصناعات والحفاظ على الموقع اللوجستي لسلطنة عمان. وعُمان تملك من المقومات ما يجعلها وجهة غنية ومميزة في هذا الجانب. باختصار، فإن تعزيز المحتوى المحلي للأصالة العُمانية يُعد مسعى مهمًا للحفاظ على التراث، وربط الأجيال الناشئة بجذورها، وترسيخ القيم الأخلاقية التي عُرف بها المجتمع العُماني.
ويُعد ذلك استثمارًا حقيقيًا في الثقافة الوطنية، يعزز الانتماء، ويدعم الاقتصاد المحلي، ويرسخ القوة الناعمة لسلطنة عُمان، ويفتح آفاقًا أوسع للحوار الثقافي والتبادل الحضاري مع مختلف شعوب العالم. أن الأصالة العُمانية متجذرة في العادات والتقاليد التي شكلت هويتنا، وهي قيم ومبادئ تناقلتها الأجيال، وأسهمت في بناء مجتمع مترابط وواثق من نفسه. ومن هنا، فإن المسؤولية مشتركة بين الجميع؛ الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات، والإعلام، وكل من له دور في المجتمع، للمبادرة والعمل على تعزيز هذه الهوية، حتى لا تتراجع أمام المتغيرات المتسارعة.
وفي الختام.. فإنَّ تعزيز المحتوى المحلي للأصالة العُمانية خطوة مُهمة للحفاظ على التراث العُماني، وتعزيز قيم المجتمع وتقاليده الجميلة. وهو عمل يتطلب تعاون الجميع من أفراد ومؤسسات، حتى ننجح في نقل هذا الإرث الثمين إلى الأجيال القادمة، ونبني مجتمعًا أكثر وعيًا بجذوره، وأكثر اعتزازًا بهويته، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.
