الطليعة الشحرية
تحول مضيق هرمز إلى حكايةٍ من حكايات "افتح يا سمسم"، تقف السياسة الدولية أمام بواباتٍ لا تُفتح بكلماتٍ سحرية، بل بمفاتيح القوة والنفوذ، غير أنَّ المفارقة الساخرة تكمن في أنَّ الولايات المتحدة، وهي تسعى لإحكام قبضتها على مفاصل النظام العالمي، تتعامل مع بعض الممرات الحيوية -وفي مُقدمتها مضيق هرمز-كما لو أنَّه باب كنزٍ أسطوري يمكن التحكم فيه بإرادةٍ منفردة، وكأنَّ المعادلة بسيطة: السيطرة تعني الأمان، والانفتاح يُفرض بالقوة، ومن يملك المفتاح يملك العالم.
لكن هذا التصور، رغم جاذبيته الظاهرية، يخفي خلفه تعقيدًا أكبر؛ فالمضيق ليس مجرد بوابة، بل عقدة توازن دقيقة بين قوى إقليمية ودولية، وأي محاولة لتحويله إلى "باب يُفتح ويُغلق" وفق حسابات الهيمنة، قد تخلق توترات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق النظام الدولي ذاته. وهنا تتجلى السخرية: فكلما ازداد الإصرار على التحكم الكامل، ازداد احتمال فقدان السيطرة، لتتحول "كلمة السر" من أداة للفتح إلى شرارة لإغلاق غير متوقع.
كيف تحوّل السعي الأمريكي نحو تضييق مساحات الحركة الجيوسياسية إلى اختبارٍ حقيقي لفكرة الهيمنة نفسها، حيث لم تعد المسألة مجرد فتح بوابة؛ بل الحفاظ على توازن يمنعها من الانغلاق في وجه الجميع.
شكّلت نهاية الحرب الباردة لحظة تأسيسية في النظام الدولي المعاصر؛ حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع الهيمنة المطلقة دون منافس مكافئ. وبالمنطق نفسه، برزت أفكار بول وولفويتز ضمن وثيقة تخطيطية لوزارة الدفاع الأمريكية في أوائل التسعينيات، لتضع إطارًا استراتيجيًا يقوم على مبدأ جوهري مفاده، منع ظهور أي قوة قادرة على تحدي التفوق الأمريكي. لم تكن هذه الرؤية مجرد تنظير فكري، بل تحولت تدريجيًا إلى مرجعية عملية أثّرت في صياغة السياسات الخارجية الأمريكية خلال العقود اللاحقة، مع اختلاف أدوات التنفيذ وفقًا لكل إدارة رئاسية.
وقد بلغ هذا التصور ذروته التطبيقية خلال إدارة جورج بوش الابن؛ حيث أعادت هجمات 11 سبتمبر 2001 تعريف مفهوم التهديد، ووفرت مبررًا لتبني مبدأ "الحرب الوقائية" كأداة أساسية في السياسة الخارجية. ضمن هذا الإطار، جاء غزو العراق عام 2003؛ بوصفه ترجمة مباشرة لعقيدة وولفويتز؛ حيث تم إسقاط نظام صدام حسين تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، في محاولة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية؛ بما يضمن تفوقًا أمريكيًا طويل الأمد. غير أن هذا التطبيق كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والواقع، إذ أدى إلى نتائج عكسية تمثلت في تفكك مؤسسات الدولة، وتصاعد الفاعلين غير الدوليين، وتآكل شرعية التدخل الأمريكي دوليًا، وهو ما أظهر حدود القوة العسكرية كأداة لتحقيق الهيمنة المستدامة.
هذا الإخفاق النسبي لم يؤدِ إلى التخلي عن جوهر العقيدة، بل إلى إعادة تكييفها، وهو ما تجلى في عهد باراك أوباما، فقد اتجهت الإدارة الأمريكية نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر، مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي ذاته، أي منع بروز منافسين إقليميين أو دوليين. وبدلًا من الغزو الشامل، تم اعتماد أدوات أكثر مرونة، مثل الضربات الجوية الدقيقة، والطائرات بدون طيار، والدبلوماسية متعددة الأطراف، كما في الاتفاق النووي مع إيران. ويمكن تفسير هذا التحول بوصفه انتقالًا من "الهيمنة الصلبة" إلى "إدارة النفوذ"؛ حيث لم تعد السيطرة تُمارس عبر الاحتلال، بل عبر مزيج من الضغط السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، بما يقلل الكلفة ويحد من المخاطر.
ومع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، شهدت العقيدة تحولًا إضافيًا نحو البراغماتية الاقتصادية، دون أن تتخلى عن هدفها المركزي؛ فقد أعاد ترامب صياغة مفهوم الهيمنة ضمن إطار "أمريكا أولًا"؛ حيث تم تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية، مُقابل تصعيد استخدام العقوبات الاقتصادية والضغط التجاري، سواء تجاه إيران أو الصين. وفي هذا السياق، لم تعد الهيمنة تُقاس بمدى الانتشار العسكري فقط، بل بقدرة الولايات المتحدة على التحكم في شبكات الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، والنظام المالي الدولي، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في أدوات تنفيذ العقيدة.
وفي خضم هذه التحولات، ظل الخليج العربي يحتفظ بمكانته كمحور مركزي في الاستراتيجية الأمريكية، ليس فقط بسبب موارده الطاقية، بل أيضًا لموقعه الجيوسياسي الحاكم. ويبرز هنا مضيق هرمز باعتباره أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم؛ حيث تمر نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية. ومن هذا المنطلق، يتقاطع هدف تأمين هذا الممر الحيوي مع جوهر عقيدة وولفويتز، أي منع أي قوة إقليمية- وفي مقدمتها إيران- من امتلاك القدرة على تهديده أو التحكم فيه. ولهذا، استمرت الولايات المتحدة في الحفاظ على وجود عسكري في المنطقة، إلى جانب بناء منظومة تحالفات إقليمية؛ بما يضمن توازنًا يمنع الانفراد بالهيمنة.
وفي هذا الصدد الإقليمي المُعقَّد، تبرز سلطنة عُمان كحالة متميزة في نهجها الاستراتيجي؛ حيث اعتمدت نهجًا قائمًا على الحياد الإيجابي والوساطة، بدلًا من الانخراط في محاور الصراع؛ فموقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، منحاها دورًا محوريًا في تخفيف التوترات، خاصة في القنوات غير المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران. ومن ثم، يمكن النظر إلى الدور العُماني بوصفه عامل استقرار يسهم في الحد من تداعيات تطبيقات العقيدة الأمريكية، عبر توفير مساحات للحوار وتقليل احتمالات التصعيد.
تُظهر تجارب القوى الكبرى أن فرط السعي للسيطرة قد يتحول من أداة لتعزيز التفوق إلى عامل يسرّع التآكل الداخلي. فعندما تتوسع الدولة في التزاماتها العسكرية والسياسية خارج حدودها، تتزايد الكلفة الاقتصادية والبشرية إلى حد يفوق قدرتها على التحمل، وهو ما وصفه بول كينيدي بمفهوم "فرط التمدد الإمبراطوري". في هذه الحالة، لا يؤدي الضغط الخارجي فقط إلى استنزاف الموارد، بل يخلق أيضًا توترات داخلية نتيجة إهمال الأولويات الوطنية، ما يضعف التماسك الداخلي ويقوض شرعية السياسات. ومع استمرار هذا الاختلال، تصبح الدولة أقل قدرة على الاستجابة للتحديات، فيتحول التفوق الظاهري إلى عبء استراتيجي قد يمهد تدريجيًا لمسار التراجع أو الانهيار.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن عقيدة وولفويتز لم تختفِ بمرور الزمن، بل خضعت لعملية تحول تدريجي من نموذج قائم على الهيمنة العسكرية المباشرة إلى نموذج أكثر تعقيدًا يعتمد على أدوات متعددة، تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات. ومع ذلك، ظل الهدف الاستراتيجي ثابتًا، الحفاظ على التفوق الأمريكي ومنع ظهور منافسين قادرين على تهديده. وفي منطقة الخليج، يتجلى هذا الهدف بشكل واضح في السعي الدائم لتأمين مضيق هرمز، وموازنة القوى الإقليمية، والاستفادة من أدوار الدول الوسيطة مثل سلطنة عُمان. وعليه، فإن فهم التحولات في تطبيق هذه العقيدة يظل ضروريًا لتحليل طبيعة السياسة الأمريكية المعاصرة، واستشراف مساراتها المستقبلية في بيئة دولية تتجه تدريجيًا نحو التعددية القطبية.
