الطليعة الشحرية
في 27 مايو 2026، وخلال اجتماع للحكومة الأمريكية في البيت الأبيض، أطلق الرئيس دونالد ترامب تهديدًا مباشرًا لسلطنة عُمان على خلفية الجدل حول ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
تكشف هذه الواقعة أكثر من مجرد زلة لسان؛ فهي تضيء على إدارة أمريكية واقعة بين ضغط أسعار الطاقة والانتخابات، واعتراض صقور الداخل على أي تفاهم مع إيران، ومحاولة توظيف اتفاقيات أبراهام كجائزة سياسية لتسويق أي تسوية إقليمية. وفي قلب هذه الضوضاء يجري تزييف حقيقة محورية: مضيق هرمز ليس "بوابة جمركية" عُمانية، بل مضيق دولي تحكمه قواعد المرور العابر، ولا يجيز القانون الدولي فرض رسوم لمجرد العبور. وعليه، فإن سردية الرسوم والابتزاز ليست وصفًا لواقع عُماني بقدر ما هي إعادة إنتاج سياسية للواقع على مقاس الحاجة الأمريكية إلى خصم سريع وعبارة صاخبة.
بدأت القصة عندما سُئل ترامب، في اجتماع حكومي علني، عن احتمال قبول ترتيب قصير الأمد يسمح لإيران وعُمان بإدارة بعض شؤون الملاحة في مضيق هرمز. فجاء الرد على طريقة المطرقة لا على طريقة الدبلوماسية لا نقاش في التفاصيل، بل تهديد مباشر لدولة حليفة وذات علاقة تاريخية مع واشنطن. وقد نقلت مصادر متعددة نص المعنى نفسه: أن المضيق "سيكون مفتوحًا للجميع"، وأن عُمان "ستُحسن التصرف" وإلا "فسيتعين علينا نسفهم".
المهم هنا ليست فظاظة العبارة وحدها، بل ما تلاها مباشرة، ففي اليوم التالي، صعّد وزير الخزانة سكوت بيسنت الموقف مؤسسيًا، محذرًا من أن الولايات المتحدة "لن تتسامح" مع أي محاولة لفرض نظام رسوم عبور في المضيق، وموجّهًا إنذارًا خاصًا إلى عُمان. ثم ذكرت تقارير لاحقة أن مسقط أبلغت واشنطن بأنها لا تملك أي خطط لفرض رسوم أصلًا. أي أن الإدارة الأمريكية انتقلت خلال ساعات من اختلاق مشهد "الخطر العُماني" إلى تلقي نفي عُماني له؛ ومع ذلك لم تتراجع النبرة، وكأن المطلوب لم يكن توصيف الواقع بقدر ما كان استعراض القسوة أمام الكاميرات.
هنا تحديدًا يبدأ المعنى الأعمق للواقعة؛ فالتهديد لم يصدر ضد خصم معلَن، بل ضد شريك تصفه الحكومتان الأمريكية والعُمانية قبل أشهر قليلة فقط بأنه من أقدم الشراكات في الشرق الأوسط، وأنه قائم على"الاحترام المتبادل" و"الالتزام الطويل بالسلام والاستقرار والازدهار". حين تقفز الإدارة من لغة "الحوار الاستراتيجي" في 25 يناير 2026 إلى لغة "نسفهم "في 27 مايو 2026؛ فهذه ليست سياسة خارجية واثقة؛ هذا أقرب إلى جهاز إنذار يصرخ داخل آلة القرار نفسها.
إذا وُضعت التصريحات داخل سياقها الأوسع، بدا التهديد أقرب إلى تعبير عن ضغط داخلي منه إلى رؤية استراتيجية مكتملة. فقد قالت وكالة رويترز إن ترامب تحت ضغط لإعادة فتح المضيق وخفض أسعار البنزين الأمريكية قبل انتخابات الكونجرس في نوفمبر، وفي الوقت نفسه يواجه ارتدادًا من الصقور داخل حزبه إذا قدم تنازلات لطهران. هذه الثنائية -أسعار الوقود في الداخل من جهة، ورغبة الصقور في التشدد من جهة أخرى- تصنع عادة ما يمكن وصفه بـ"دبلوماسية الصوت المرتفع"، صراخٌ في الخارج لتعويض تعثرٍ في الداخل.
ولأن التخبط لا يحب أن يسير وحيدًا، فقد رافقته بنية دبلوماسية أمريكية مرتبكة أصلًا؛ ففي تقرير استقصائي لرويترز نُشر في 21 مايو 2026، وُصفت السياسة الخارجية الأمريكية بأنها تُدار "بشكل متزايد بواسطة الأشخاص لا المؤسسات"، وأن حلفاء واشنطن باتوا يعيدون "قواعد الاشتباك" الدبلوماسي، ويتعاملون مع كثير من خطابات ترامب بوصفها "ضوضاء خلفية"، في حين تعمل أكثر من نصف السفارات الأمريكية دون سفراء معتمدين، فإن ذلك لا يعكس أزمة تعيينات فحسب، بل خللًا أعمق في إدارة النفوذ والسياسة الخارجية. هذه ليست مجرد تفصيلة بيروقراطية؛ إنها وصف دقيق لبيئة قرار تميل إلى الارتجال والشخصنة والانفعال. وعندما تتراجع المؤسسة، يتضخم المزاج.
في مصارعة الثيران، لا ينتصر الثور لأنه فهم المشهد؛ بل لأنه اندفع إليه. يكفي أن يتحرك القماش الأحمر حتى يظن أن الكون كله مؤامرة مصممة لاستفزازه. وفي هذه الأزمة، بدا القماش الأحمر خليطًا من ثلاث نقاط: خبر غير محسوم عن ترتيبات ملاحية، وقلق انتخابي من أسعار الطاقة، وشبكة ضغط داخلية تريد أي تفاهم مع إيران مشروطًا بلغة إذعان لا بلُغة تفاوض. عندها دخل الثور إلى الحلبة، لا ليُسدد ضربة للحقيقة، بل ليمنح جمهوره انطباعًا بأنه ما زال يركض بقوة.
ومن المهم هنا التمييز بين ما تثبته المصادر وما يمكن استنتاجه منها أنه لا توجد، وثيقة منشورة موثوقة تقول إن تهديد عُمان صدر بأمر مباشر من "لوبي" بعينه. لكن صورة الضغوط السياسية واضحة في المصادر؛ ارتفاع كلفة الطاقة على الداخل الأمريكي، واعتراض الصقور الجمهوريين على أي مرونة مع إيران، ومحاولة تغليف أي تسوية إقليمية بتمدد جديد للاتفاقيات الإبراهيمية. هذا لا يبرهن "نظرية مؤامرة"، لكنه يبرهن شيئًا أكثر بساطة: أن صانع القرار الأمريكي كان يتفاوض بعين على هرمز، وعين على استطلاعات الداخل، وعين ثالثة -إن جاز التعبير- على من سيصفق له إذا باع التسوية على أنها انتصار لإسرائيل وواشنطن لا مجرد وقف نزيف.
هنا تقع العقدة التي ينبغي فكها باردًا وبوضوح؛ مضيق هرمز ليس "مياهًا دولية" بالمعنى المُبسَّط الذي استخدمه ترامب، لكنه أيضًا ليس ملكية قابلة للخصخصة السياسية. قانونًا، يقع المضيق ضمن نظام "المضائق المستخدمة للملاحة الدولية" في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وتنص المواد 37 و38 و44 على أن جميع السفن والطائرات تتمتع بحق "المرور العابر" الذي "لا يجوز إعاقته"، وأن "لا تعليق" لهذا المرور. كما تسمح المادة 42 للدول المُشاطِئة بتنظيم مسائل محددة تتصل بسلامة الملاحة، والتلوث، والصيد، ومنع التحميل أو التفريغ المخالف للقوانين الجمركية والمالية والهجرة والصحة؛ لكنها تمنع أن يكون لهذه اللوائح "الأثر العملي" في إنكار حق المرور العابر أو إعاقته أو الانتقاص منه. أي أن القانون يفرق بدقة بين التنظيم المشروع وبين تحويل المضيق إلى بوابة إتاوات.
وهنا بالذات حصل الخلط المقصود في السرد السياسي، "الرسوم الجمركية" ليست هي نفسها "رسوم العبور". الجمارك تتعلق عادة بالسلع التي تدخل الإقليم أو تخرج منه، أو بمخالفات التحميل والتفريغ داخل نطاق القوانين الوطنية؛ أما فرض مقابل مالي على مجرد المرور في مضيق دولي فهذا شيء آخر. وقد أوضح تحليل لمؤسسة "تشاتام هاوس" أن فرض "رسم مرور" في مضيق هرمز يخالف نظام المرور العابر؛ بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن حتى نظام "المرور البريء" لا يُجيز فرض رسم لمجرد حق المرور. هذه نقطة مركزية، ليس ثمة غطاء قانوني يحوّل عبور السفن إلى ماكينة جباية سيادية لعُمان أو لغيرها.
"المضيق معبر طبيعي… ولذلك لا يمكن فرض رسوم"، هكذا صرح معالي المهندس سعيد المعولي وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، في 8 أبريل2026 ، وهذا التصريح العُماني مهم لأنه لا يكتفي بالنفي السياسي؛ بل يربط الموقف العُماني بالنظام القانوني الدولي. فقد قال وزير النقل إن السلطنة وقعت الاتفاقيات الخاصة بالنقل البحري الدولي، وإن المضيق "معبر طبيعي لم تتدخل يد الإنسان في خلقه"، ولذلك لا يمكن فرض رسوم عليه. كما أظهر تحليل بحثي إقليمي أن عُمان رفضت مقترحات إيرانية لإقامة نظام ثنائي للمرور والرسوم، وأن هذا الرفض يعكس تمسك مسقط بمبدأ حرية الملاحة في المضيق. لذلك، فإن السرد الذي يوحي بأن عُمان كانت تأخذ "جمارك" أو تتهيأ لابتزاز السفن ليس وصفًا دقيقًا للواقع، بل خلط بين شائعة تفاوضية وبين موقف عُماني معلن ومخالف لها.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن هذه السردية تجاهلت أن المضيق شريان عالمي، لا ساحة خطابة محلية. فالبيانات الأمريكية والأبحاث الحديثة تشير إلى أن هرمز ظل واحدًا من أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ مرت عبره في 2024 والربع الأول من 2025 أكثر من ربع تجارة النفط البحري عالميًا، ونحو خُمس استهلاك النفط والمنتجات النفطية في العالم، إضافة إلى قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وعندما يكون الممر بهذا الوزن، يصبح تزوير وضعه القانوني أداة سياسية مغرية؛ يكفي أن تحوّل قضية "حق مرور دولي" إلى قصة “جباية" حتى يبدو أي تهديد لاحق كأنه دفاع عن السوق لا اعتداء على السيادة.
تكمن فداحة التهديد أيضًا في أنه صدر تجاه دولة ليست طارئة على التاريخ الأمريكي ولا غريبة عن حساباته الإقليمية؛ فالوثائق الرسمية العُمانية تذكّر بأن علاقات البلدين تعود إلى 1833، حين وُقّعت معاهدة الصداقة والتجارة، ثم أبحر أحمد بن النعمان مبعوث السلطان السيد سعيد بن سلطان، إلى نيويورك على متن السفينة "سلطانة" عام 1840، في واحدة من أقدم الإشارات الدبلوماسية العربية إلى الولايات المتحدة. وفي الزمن المعاصر وُقعت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين في 2006 وأكد الحوار الاستراتيجي الثالث في يناير 2026 أن الشراكة العُمانية‑الأمريكية هي "واحدة من الأقدم في الشرق الأوسط"، وأن حجم التجارة بينهما بلغ نحو 3.3 مليارات دولار في 2025.
هذا التاريخ ليس زينة بروتوكولية، إنه يفسر لماذا بدت العبارة الترامبية نشازًا حتى بمقاييس الواقعية القاسية؛ فعُمان، بحسب وزارة خارجيتها، تبني سياستها الخارجية على رؤية تعتبرها "صديقًا للجميع"، وتتبنى الحوار والتسامح مبدأين موجّهين. كما تقول بعثتها في واشنطن إنها تعمل مع الولايات المتحدة على "حلول متعددة الأطراف، قائمة على الحوار، لتحقيق السلام والاستقرار في الخليج والمنطقة". وعندما تُهدد دولةٌ كهذه علنًا، فإن الرسالة لا تصيب مسقط وحدها؛ بل تمس صورة الوساطة نفسها بوصفها وظيفة شرعية في الإقليم.
وليس هذا توصيفًا تجميليًا لدور عُمان؛ فوكالة رويترز وثّقت أن مسقط كانت وسيطًا أساسيًا في المحادثات السرية الأمريكية‑الإيرانية التي مهدت لاتفاق 2015 النووي، كما أكدت المصادر الرسمية العُمانية أن معالي السيد بدر البوسعيدي وزير الخارجية رعى جولات التفاوض الأمريكي‑الإيراني في 2026، وأعلن في فبراير من ذلك العام إحراز "تقدم كبير". لذلك، فإن الضغط على عُمان لا يستهدف دولة حليفة في الخليج فحسب؛ بل يستهدف أيضًا أحد آخر المسارات التي ما زالت قادرة على إبقاء قنوات الحديث مفتوحة حين تُغلق الميكروفونات.
ومن هنا يمكن تقدير أثر التهديد على السيادة والسمعة والوساطة العُمانية. قانونيًا، ينص ميثاق الأمم المتحدة على امتناع الدول عن "التهديد أو استعمال القوة" ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. وسياسيًا، فإن التلويح العلني بالقوة ضد عُمان يضعف -استدلالًا- البيئة النفسية التي تحتاجها الوساطة الهادئة، لأن الوسيط يفقد جزءًا من قيمته إذا بدا أنه مُستَدعى إلى الطاولة بوصفه تابعًا لا شريكًا. غير أن الوجه الآخر للصورة هو أن الرد العُماني الهادئ، القانوني، غير الانفعالي، قادر في المقابل على تحويل التهديد إلى شهادة إضافية على الفرق بين دولة تتكلم بلغة الوقار ودولة يسبق فيها الميكروفونُ المذكرة.
إذا كان لا بُد من فهم وظيفة "لقماش الأحمر" الذي استثار الثور الأمريكي في هذه الحلبة، فلا يكفي النظر إلى هرمز وحده. فقبل التهديد بأيام، قالت رويترز إن ترامب طلب من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام "دفعة واحدة" إلى الاتفاقيات الإبراهيمية كجزء من المسار السياسي الموازي للحرب مع إيران، وكتب على منصته أنه "mandatorily requesting" أي "طلب إلزامي"، من الدول أن توقّع فورًا. ونقلت الوكالة عن المحلل علي واعظ قوله إن ترامب يحاول بيع التفاهم مع إيران بوصفه "نسخة لاحقة من الاتفاقيات الإبراهيمية". هذا يعني أن الحديث عن مضيق هرمز لم يكن منفصلًا عن مشروع أوسع لإعادة هندسة الاصطفاف الإقليمي تحت عنوان التطبيع.
ومن المهم أيضًا عدم المبالغة فيما تثبته الوقائع؛ إذ لا توجد، حتى الآن، معلومة موثوقة منشورة تفيد بأن واشنطن طلبت من عُمان تحديدًا الانضمام الفوري إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. لكن الثابت أن ترامب ربط علنًا بين أي تسوية مع إيران وبين توسيع دائرة الاتفاقيات لتشمل دولًا عربية ومسلمة أخرى، وأن هذا الربط نفسه أثار رفضًا أو تحفظًا؛ إذ رفضته باكستان صراحة، فيما ظلت السعودية على موقفها المعلن بعدم المضي في هذا المسار من دون خريطة طريق إلى دولة فلسطينية. المعنى هنا أن التهديد لعُمان جاء داخل مناخ أوسع يحاول فيه البيت الأبيض تحويل كل ملف (من الحرب إلى الملاحة إلى العلاقات العربية‑الإسرائيلية) إلى حزمة واحدة تُسوق كـ"انتصار شامل".
وهنا تُصبح استعارة مصارعة الثيران أكثر فائدة من كثير من نشرات الإحاطة؛ فحين تعجز الإدارة عن إخراج صفقة نظيفة من حقل ألغام الشرق الأوسط، تلوّح بقماش أحمر يكفي لإثارة الغبار، رسوم عبور غير قائمة، إدارة مشتركة غير محسومة، تطبيع يُقدَّم كأنه استحقاق طبيعي، وحليف صغير يُعامل بوصفه الحلقة الأسهل للضغط. هذا ليس منطق دولة تقود بطمأنينة؛ بل منطق ثور يريد أن يقنع المدرجات بأن اندفاعه بطولة، ولو كان يطارد قطعة قماش لا خصمًا حقيقيًا.
تهديد ترامب لعُمان لا يبدو حادثة لفظية معزولة، بل لحظة كثيفة تكشف 3 أمراض في آنٍ واحد: ارتباك داخل الإدارة الأمريكية، وميل إلى التنمر الدبلوماسي حين تضيق الخيارات، واستسهال لتزوير السرد حول هرمز كي يبدو التصعيد وكأنه دفاع عن حرية الملاحة لا ضغط على دولة ذات سيادة. والعبارة الأصح هنا ليست أن واشنطن أساءت فهم الواقع فقط؛ بل إنها أعادت ترتيب الواقع خطابيًا بحيث يناسب حاجتها السياسية العاجلة؛ فحين لا توجد رسوم عُمانية على العبور، يُعاد إنتاج القصة كما لو أن هناك "ابتزازًا" يجب كسره. وحين تكون عُمان وسيطًا تاريخيًا، يُعاد تقديمها كما لو أنها عقبة يجب تأديبها. هذا هو جوهر التزييف؛ ليس اختراع كذبة كاملة، بل خلط نصف معلومة بنصف انفعال ثم تسويق الخليط على أنه سياسة.
وينبغي أن يبقى الرد العُماني في منطقة الوقار لا في منطقة الاستعراض. أولًا، من الحكمة تثبيت الرواية القانونية في بيان عربي‑ إنجليزي شديد الاختصار والوضوح يميز بين "المرور العابر" و"رسوم العبور" و"المسائل الجمركية"، مستندًا إلى نصوص قانون البحار وإلى تصريح وزير النقل. ثانيًا، من المصلحة تفعيل الذاكرة المؤسسية للعلاقة مع واشنطن واتفاقية التجارة الحرة، والحوار الاستراتيجي، والتعاون على السلم الإقليمي؛ أي تذكير الأمريكيين بأن من هددوه ليس خصمًا عابرًا، بل شريكًا قديمًا ووسيطًا مفيدًا. ثالثًا، ينبغي حماية وظيفة الوساطة عبر ردٍّ حازم في المبدأ وهادئ في اللغة، فلا مساومة على السيادة، ولا انجرار إلى سجال يُفقد مسقط ميزتها الأساسية؛ أن تتكلم عندما يلزم، وأن تحافظ على الأبواب مواربة عندما ينهار الصراخ من تلقاء نفسه.
عُمان لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تُسمَع، يكفيها أن ترفع الحقيقة؛ ففي بحرٍ مزدحم بالألغام والروايات، تبقى الحقيقة أبسط من كل المسرح؛ هرمز ليس صندوق جمارك، والوسيط ليس تابعًا، والسيادة لا تُدار من منصة مؤتمر صحفي. أما من يلوّح بالقماش الأحمر كلما ضاقت به الحلبة، فقد يربح تصفيق لحظة، لكنه نادرًا ما يربح احترام التاريخ.
