د. خالد بن علي الخوالدي
أكثر من عشرين عامًا على مشاركتي المستمرة في مسار التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، واليوم استعيد شريط هذه السنوات وأنا أستعد للمشاركة في ملتقى التحول الرقمي بمحافظة جنوب الباطنة الذي تنظمه مشكورة محافظة جنوب الباطنة، وبعد صلاة الفجر لم تغمض عيني وأنا أفكر في مستقبلنا في مجال التحول الرقمي وأذهب للملتقى وأنا متفائل جدا نظرا للاهتمام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان المُعظم- أيده الله- بموضوع التحول الرقمي.
وخلال السنوات السابقة كان هناك تأخر كبير في مجال التحول الرقمي، وهنا لا أعاتب مؤسسة معينة؛ فالجميع يعمل ويجتهد، ولكنني أستحضر تجربة طويلة بدأت منذ أيام هيئة تقنية المعلومات، والتي كانت تحمل على عاتقها قيادة هذا التحول، واليوم وبعد انتقال هذا الملف إلى وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وبعد العرض الذي قدمته الوزارة أجد نفسي متفائلا، ولكن العمل يحتاج إلى تحديد زمني لتنفيذ التحول الرقمي الكامل بشكل قطعي وعدم ترك الموضوع على أعنته.
نحن اليوم في السنة السادسة من مرحلة الحكومة المتجددة، وبعد سنوات طويلة من العمل والتخطيط، ما زلت أبحث كما غيري عن ملامح تحول رقمي متكامل. نعم هناك مبادرات وهناك مشاريع وجهود تذكر فتشكر، لكننا لم نصل بعد إلى النقلة النوعية التي تجعلنا نقول بثقة إننا دخلنا عصر الحكومة الذكية، بعد أن بقينا طويلًا في إطار الحكومة الإلكترونية.
ومن خلال هذه الرحلة الممتدة، أدركت أن التحدي لا يكمن في قلة الموارد ولا في ضعف الكفاءات؛ بل في طريقة إدارة هذا الملف الحيوي؛ فنحن بحاجة إلى جهة واضحة داخل المنظومة الحكومية، جهة تعمل بعقلية مختلفة، يمكن تشبيهها بخلية نحل حقيقية، تضم مئات من الشباب العُماني المؤهل، تعمل بشكل مركزي، وتنتج حلولًا رقمية موحدة تُعمَّم على مختلف الجهات والمحافظات.
وجود مثل هذه الجهة داخل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات ليس خيارًا وإنما ضرورة، جهة تبتكر وتنفذ وتراقب وتحاسب وتُسرِّع من وتيرة التحول بدل أن تتركه رهين المؤسسات والمحافظات واللجان والاجتماعات التي تستهلك الوقت أكثر مما تنتج الحلول.
عندما أعود بذاكرتي إلى البدايات في عام 2003، حين أنشئت هيئة تقنية المعلومات، كان الأمل كبيرا بأن تقود عُمان نحو مستقبل رقمي متقدم لكن مع إلغاء الهيئة في عام 2019، بقيت تساؤلات كثيرة دون إجابة واضحة. فبعد أكثر من عقد من العمل، لم نصل إلى المستوى الذي كنَّا نطمح إليه، ولم يتحقق التحول الرقمي بالشكل الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة الناس، واليوم ورغم تغير المسميات والهياكل، لا يزال التحدي قائما، ما زلنا نتحدث عن التحول الرقمي ونعقد له الملتقيات، ونرصد له الميزانيات لكننا في كثير من الأحيان لا نرى الأثر الحقيقي على أرض الواقع.
وأحد أبرز التحديات التي لا يمكن تجاهلها هو البنية الأساسية الرقمية فكيف يمكن أن نتحدث عن خدمات إلكترونية متقدمة، في حين أن الإنترنت لا يزال ضعيفًا أو غير متوفر في بعض المناطق، الإنترنت هو الأساس وهو نقطة البداية لأي تحول رقمي، وإذا لم يكن متاحاً للجميع بجودة عالية وسرعة كافية فإن كل ما يبنى فوقه سيبقى هشا.
أما التحدي الآخر فهو القيادة والمساءلة؛ فالتحول الرقمي لا يمكن أن ينجح دون وجود قائد يمتلك الصلاحيات الكاملة، ويحاسب على النتائج، لا بد من تحديد أهداف واضحة وجدول زمني محدد ومؤشرات أداء دقيقة، ثم محاسبة المسؤولين على تحقيقها، العالم لا ينتظر والمشاريع الكبرى تحتاج إلى قرار وتنفيذ ملزم.
كما أن تكرار الجهود وتشتت المشاريع يمثل عائقًا حقيقيًا، كثير من الجهات تعمل بشكل منفصل، رغم أن الخدمات التي تقدمها متشابهة، لماذا لا يكون هناك نظام مركزي موحد يطور مرة واحدة ثم يعمم على الجميع، هذا التوجه سيوفر الوقت والمال ويضمن جودة أعلى وتجربة موحدة للمستخدم.
قصتي مع التحول الرقمي طويلة، هي رحلة من الطموح والتحدي، رحلة بدأت بالحلم وما زلت أتمسك به حتى اليوم، أذهب إلى كل ملتقى وكل اجتماع وأنا أحمل هذا الأمل بأن نرى يوما تحولا حقيقيا لا مجرد شعارات، وما نحتاجه اليوم هو إرادة حاسمة، وقرار شجاع، نحتاج إلى الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، نحتاج إلى جهة مركزية قوية وبنية أساسية متينة وقيادة تحاسب وعمل لا يعرف التأجيل لأن المستقبل لا ينتظر والقطار سريع جدا فحين نصل إلى التحول الرقمي نجد العالم سبقنا بسنوات ضوئية.
وأخيرًا نشكر محافظة جنوب الباطنة على تنظيم ملتقى التحول الرقمي الذي كان مفيدًا وشهد مشاركات متنوعة من مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة، ونتمنى النجاح للملتقى الذي يستمر ليومين.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
