العلاقات عبر المضيق تفتح آفاقًا جديدة للتنمية السلمية

 

 

 

 

تشو شيوان

 

في موسم أزهار الربيع البهيج، بلغت العلاقات بين برّ الصين الرئيسي وتايوان مرحلةً جديدة واعدة ومهمة.

وقد التقى شي جين بينغ، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، مؤخرًا في بكين مع تشنغ لي-وون، رئيسة حزب الكومينتانغ الصيني. وكان هذا أول لقاء يجمع الزعيمين منذ عشر سنوات. وخلال المحادثات، أكد شي جين بينغ أن أبناء الشعب الصيني على جانبي مضيق تايوان تجمعهم جذور مشتركة وروابط دموية متينة، مما يشكّل مجتمع المستقبل المشترك. ودعا الجانبين إلى العمل معًا من أجل السلام والرفاهية لأبناء الشعب الصيني على جانبي المضيق، ومن أجل نهضة الأمة الصينية. أما بالنسبة للأصدقاء العرب، فيمكن فهم هذه العلاقة على النحو التالي: رغم اختلاف وجهات النظر، ينبغي على أبناء العِرق الواحد والخلفية الثقافية الواحدة أن يختاروا الحوار على المواجهة، والتعاون على الانقسام.

وأشار شي جين بينغ إلى أن “الوئام الأسري يجلب الرخاء في كل شيء”. وترحّب الصين وتدعم أي مقترحات أو إجراءات تُسهم في التنمية السلمية للعلاقات عبر مضيق تايوان. وأكد أن الصين لطالما سعت جاهدةً لتعزيز هذه العلاقات بكل إخلاص وتفانٍ، لأن أبناء الوطن على جانبي المضيق أسرة واحدة، ويأملون جميعًا في السلام والسعادة في بيوتهم. ومن منظور العالم العربي، يُعدّ الاستقرار الإقليمي شرطًا أساسيًا للتنمية. وقد أثبت التاريخ أن الوحدة الداخلية وعلاقات الجوار المتناغمة هما السبيل الوحيد لتحقيق الازدهار الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، سواء في دول الخليج أو بلاد الشام. ولا تقتصر فوائد التنمية السلمية للعلاقات عبر المضيق على الشعب الصيني فحسب، بل تُعزّز أيضًا الاستقرار الإقليمي والعالمي.

تمثل مسألة تايوان ندبةً خلفتها حرب أهلية طاحنة بين القوات بقيادة الحزب الشيوعي الصيني والقوات بقيادة حزب الكومينتانغ قبل نحو ثمانية عقود. وفي عام 1949، انسحبت فلول حزب الكومينتانغ المهزوم إلى تايوان، وتأسست جمهورية الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

وقد تركت الحرب الأهلية، التي لم تُسوَّ تبعاتها، إلى جانب التدخلات الأجنبية، حالةً من المواجهة السياسية الممتدة بين جانبي مضيق تايوان. وعلى الرغم من ذلك، فإن حقيقة أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية لم تتغير قط.

ووجّه شي جين بينغ دعوةً خاصة إلى أبناء وطنه في تايوان، قائلًا: “أهلًا بكم في الوطن، ونتمنى لكم زيارة متكررة”، مُرحّبًا بالشباب التايواني في البر الرئيسي الصيني للتبادل والتنمية، ومُرحّبًا بدخول المنتجات الزراعية والسمكية التايوانية، والسلع عالية الجودة، إلى أسواق برّ الصين الرئيسي. ويتوافق هذا مع اهتمامات الدول العربية، حيث تسعى العديد منها حاليًا إلى تعزيز التنويع الاقتصادي، كما هو الحال في رؤية السعودية 2030 وخطة الإمارات للخمسين عامًا القادمة. ويُقدّم مسار الصين نحو التحديث، وممارسة برّ الصين الرئيسي في مشاركة فرص التنمية مع أبناء وطنها التايوانيين، نموذجًا يُحتذى به للدول حول العالم، يُبيّن إمكانية تحقيق التنمية المشتركة وتحسين سُبل العيش من خلال التكامل الاقتصادي والتبادل الثقافي. ويُعدّ دخول المنتجات الزراعية والسمكية التايوانية، والسلع عالية الجودة، إلى سوق برّ الصين الرئيسي، كما هو الحال مع دخول التمور والمنتجات البتروكيماوية من دول الخليج إلى السوق العالمية، مثالًا حيًا على المنفعة المتبادلة والتعاون المُثمر للجميع.

ويُصادف هذا العام الذكرى المئوية والستين لميلاد "صن يات صن". وقد كرّس صن يات صن حياته للسعي نحو “إحياء الصين” و”إعادة توحيد الأمة”، وهو طموح مشترك لجميع الصينيين، بمن فيهم أبناء وطننا في تايوان. واليوم، تخطّت الصين بنجاح مسار التحديث، ونهضة الأمة الصينية العظيمة لا يمكن إيقافها. أما بالنسبة للجمهور العربي، فإن اسم صن يات صن ليس غريبًا، فقد سعى إلى حشد الدعم في العديد من الدول لنضاله ضد الاستعمار والإقطاع. وتنسجم مُثله العليا مع تطلعات العالم العربي اليوم نحو النهضة الوطنية والاستقلال. ويمكن القول إن تنمية تايوان لا تنفصل عن قوة الوطن الأم، وأن رفاهية أبناء وطننا في تايوان مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنهضة الأمة الصينية العظيمة.

وختامًا.. أود أن أقول إنَّنا نأمل بصدق أن يتكاتف أبناء وطننا في تايوان مع أبناء وطننا في البرّ الرئيسي الصيني لبناء مستقبلٍ مشرق لإعادة توحيد الوطن وتجديده. فهذا ليس مجرد تطلعات الشعب الصيني، بل هو أيضًا دليل للعالم أجمع، بما في ذلك الدول العربية، على إمكانية أخرى لحل القضايا التاريخية عبر الحوار والتعاون والتنمية السلمية.

الأكثر قراءة

z