جان يعقوب جبور
يُطرح اليوم في لبنان سؤالٌ يتجاوز كونه خيارًا سياسيًا إلى كونه مسألة كرامة وطنية: هل التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي هو شكرٌ لفرصةٍ تُنقذ ما تبقّى من الدولة، أم هو ذلٌّ يُكرّس سقوطها؟
هذا السؤال ليس نظريًا؛ بل يرتبط بسياق تاريخي طويل من الصراع، وبوقائع وتجارب أثبتت أن أي انزلاق غير محسوب في هذا المسار قد يُعيد رسم ملامح الدولة اللبنانية على نحوٍ يفقدها سيادتها وقرارها الحُر.
منذ اجتياح عام 1982، حين وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، دخل لبنان في واحدة من أخطر مراحل تاريخه الحديث. يومها، لم يكن التفاوض خيارًا سياديًا؛ بل فُرض تحت وطأة الاحتلال، وتُوّج باتفاق 17 أيار/ مايو 1983، الذي اعتُبر في حينه محاولة لتكريس واقع سياسي وأمني يخدم إسرائيل أكثر مما يخدم لبنان. لم يصمد الاتفاق طويلًا، وسقط تحت ضغط الرفض الشعبي والرسمي، لكنه ترك درسًا واضحًا: التفاوض في ظل اختلال موازين القوى لا يُنتج سلامًا عادلًا؛ بل اتفاقات هشة تُفجِّر الداخل بدل أن تُنقذه. يتكرر المشهد بصيغ مختلفة. في عام 1996، بعد عملية "عناقيد الغضب"، لم يكن ما سُمّي "تفاهم نيسان/ أبريل" اتفاقًا مباشرًا بقدر ما كان نتيجة توازن ردع فرضته المقاومة، وليس نتيجة ضعف لبناني. وكذلك في عام 2000، حين انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، لم يكن ذلك نتيجة مفاوضات مباشرة؛ بل نتيجة كلفة الاحتلال المتزايدة. هذه المحطات تُظهر بوضوح أن ما يُنتزع بالقوة أو بالتوازن لا يُشبه ما يُمنح تحت الضغط.
في السنوات الأخيرة، عاد ملف التفاوض إلى الواجهة مع اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022. ورغم أن الاتفاق جاء بوساطة أمريكية ولم يكن مباشرًا بالكامل، إلّا أنه فتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود هذا المسار. البعض اعتبره إنجازًا اقتصاديًا يتيح للبنان الاستفادة من ثرواته الغازية، بينما رأى فيه آخرون مدخلًا خطيرًا لتطبيع تدريجي (وهذا أقرب إلى الواقع)، خصوصًا إذا ما استُكمل بخطوات سياسية أو أمنية لاحقة. هنا تحديدًا يكمُن الخطر: في تحوّل التفاوض من أداة تقنية محدودة إلى مسار سياسي مفتوح.
الواقع أن الدولة اللبنانية اليوم تعاني من هشاشة غير مسبوقة. منذ الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019، وانهيار العملة الوطنية، وتفكك المؤسسات، أصبح لبنان في موقع ضعف بنيوي. وفي ظل هذا الضعف، يصبح أي تفاوض مباشر محفوفًا بمخاطر كبيرة، لأنه قد يُستغل لفرض شروط تتجاوز الملفات المطروحة. التاريخ مليء بأمثلة دول دخلت التفاوض من موقع الضعف، فخرجت باتفاقات تُقيّد سيادتها لعقود (دولتنا الكريمة لا ترى ولا تتعظ من التاريخ).
وثمّة بُعد داخلي لا يقل خطورة؛ فلبنان بلد قائم على توازنات دقيقة، وأي خطوة كبرى كالتفاوض المباشر مع إسرائيل قد تُحدث انقسامًا حادًا بين مكوناته (يا للأسف هذا ما تسعى إليه بعض الأحزاب اللبنانية من خلال وجودها الحالي في السُلطة). فترة الحرب الأهلية (1975- 1990) لا تزال حاضرة في الذاكرة، حين كانت الخيارات الخارجية سببًا في تفجير الداخل. واليوم، في ظل انعدام الثقة بين القوى السياسية، قد يتحول التفاوض إلى شرارة توتر داخلي بدل أن يكون مدخلًا للاستقرار (لا ننسى أن الذهن الميليشياوي لنفس الأحزاب التي تكون السلطة ما زال موجودًا).
لا يمكن أيضًا تجاهل البُعد الأخلاقي والسيادي في هذه المسألة. فالصراع مع إسرائيل لم يكن يومًا مجرد نزاع حدودي؛ بل ارتبط بانتهاكات واعتداءات متكررة، من مجازر مثل قانا عام 1996، إلى الحروب المتكررة وآخرها حرب تموز 2006 التي خلّفت دمارًا واسعًا وخسائر بشرية كبيرة. في ظل هذا الإرث، يصبح التفاوض المباشر دون شروط واضحة أو ضمانات حقيقية أشبه بتجاوز لذاكرة جماعية لا تزال مفتوحة الجراح. فالسؤال هنا: ما هي الضمانات والأدوات التي تحملها السلطة للتفاوض بقوة؟ ما نسمعه مضحك مبك كالضحية والدبلوماسية وغيرها. لكن في المقابل، هناك من يرى أن الدولة لا تُدار بالعواطف، وأن البراغماتية تفرض البحث عن مخارج للأزمات، حتى لو كانت صعبة. هذا الرأي يستند إلى تجارب دول اختارت التفاوض لتجنب الحروب أو لتحقيق مكاسب اقتصادية. إلّا أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الدولة وقدرتها على فرض شروطها (وهذا غير متاح في الوضع اللبناني الحالي كون أي تفاوض تحت النار يؤدي إلى الاستسلام وتقليص السيادة)؛ فالدول القوية تفاوض لتحسين موقعها، أما الدول الضعيفة فتفاوض لتفادي الأسوأ، وغالبًا ما تدفع ثمنًا أعلى مما تتوقع. المعضلة الحقيقية إذًا ليست في مبدأ التفاوض بحد ذاته؛ بل في توقيته وشروطه والسياق الذي يتم فيه. حين يكون التفاوض خيارًا سياديًا نابعًا من قوة أو توازن، يمكن أن يكون أداة من أدوات السياسة. أما حين يأتي نتيجة ضغط أو انهيار، فإنه يتحول إلى مسار خطير قد يُكرّس التبعية بدل أن يُنهي الصراع.
في الحالة اللبنانية، يبدو أن الخطر الأكبر هو الانزلاق التدريجي؛ فالتجارب تُظهر أن ما يبدأ كملفٍ تقني قد يتحول إلى مسار سياسي، وما يُقدَّم كاستثناء قد يصبح قاعدة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمتلك لبنان اليوم مؤسسات قوية ورؤية وطنية موحدة تُمكّنه من خوض هذا المسار دون أن يفقد توازنه؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يرتبط بقدرة الدولة على استعادة نفسها أولًا. فالدولة التي لا تملك قرارها الاقتصادي ولا استقرارها الداخلي، يصعب أن تخوض مفاوضات مصيرية دون أن تتأثر نتائجها بهذا الضعف. لذلك، قد يكون المدخل الحقيقي لأي نقاش حول التفاوض هو إعادة بناء الدولة والإجماع الوطني، لا القفز إلى خيارات كبرى في ظل الانهيار.
في النهاية، بين الشكر والذل، لا يُقاس الخيار بالشعارات؛ بل بالنتائج. التفاوض قد يكون أداة إنقاذ في ظروف معينة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مسار سقوط إذا لم تُحسن الدولة إدارة شروطه وحدوده. ولبنان، بتاريخه وتعقيداته، يقف اليوم أمام لحظة دقيقة، حيث أي قرار غير محسوب قد لا يكون مجرد خطوة سياسية؛ بل نقطة تحول في مصير الدولة نفسها وانتحارها.
