تأمل استراتيجي في التموضع الاقتصادي لسلطنة عُمان

 

 

 

◄ ينبغي إعادة تموضع عُمان من "حل بديل مؤقت" إلى اقتصاد موازٍ يملك حضورًا مستقبلًا ومؤثرًا

◄ ضرورة العمل على مأسسة الممرات الاقتصادية وتشريع تنفيذ البنى الأساسية الاستراتيجية

◄ "الممر الاستراتيجي" بين عُمان والسعودية عبر الدقم "نموذج عملي" لإعادة التموضع الاقتصادي

 

د. يوسف بن حمد البلوشي

yousufh@omaninvestgateway.com

 

تُعدّ سلطنة عُمان من أكثر الدول تميزًا من حيث التموضع الاستراتيجي على مستوى العالم؛ فهي تتمتع بحياد دبلوماسي وموثوقية عالية ومكانة مرموقة واحترام كبير بين الأمم وموقع جغرافي مطل على مضيق هرمز والمحيط الهندي إلى جانب أنها استثمرت بسخاء في بنية أساسية وموانئ متطورة بمواصفات عالمية، إضافة إلى تمتعها بحكومة مستقرة تقود مسارًا واضحًا نحو التنمية المستدامة في إطار رؤية "عُمان 2040"، وكل ذلك ليس مزايا هامشية؛ بل عناصر نادرة بالفعل في المشهد الاقتصادي والجيوسياسي العالمي.

ومع ذلك تبرُز ملاحظة استراتيجية جديرة بالتأمل، وهي أن تفاعل سلطنة عُمان مع مجتمع الأعمال الدولي اتسم تاريخيًا بقدر كبير نسبيًا على الاستجابة للمتغيرات أكثر من المبادرة الاستباقية؛ ففي أثناء الأزمة الدبلوماسية الخليجية مع قطر وجائحة "كوفيد-19" والتوترات الإقليمية الأخيرة، جرى الاعتراف والإشادة بدور سلطنة عُمان بوصفها لاعبًا فاعلًا وممرًا حيويًا وملاذًا آمنًا، غير أن جانبًا كبيرًا من ذلك الزخم يتلاشى بعد انتهاء الأزمات ولا يتحول إلى استثمارات دائمة ومنظمة ومؤسسية.

والمُتابِع يمكنه القول إنَّ المجتمع الدولي يتعامل مع سلطنة عُمان في كثير من الأحيان باعتبارها خيارًا احتياطيًا عند الطوارئ أكثر من كونها وجهة رئيسة وهذا أمر ينبغي الوقوف عليه.

ومن هنا، فإن التوصية الاستراتيجية في هذه المرحلة تبدو واضحة؛ حيث ينبغي لنا في هذا البلد العزيز أن نعيد تموضع سلطنة عُمان من حل بديل ومؤقت إلى اقتصاد موازٍ يمتلك حضوره المستقل والمؤثر، ويقتضي ذلك العمل بصورة استباقية على مأسسة ممراتها الاقتصادية وتسريع تنفيذ البنية الأساسية الاستراتيجية مثل خطوط أنابيب الغاز والربط عبر السكك الحديدية وتحويل اهتمام المستثمرين في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في المنطقة إلى التزامات طويلة الأجل وملزمة قبل أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها ويتحول الاهتمام إلى وجهات أخرى.

في هذا السياق، تبرز فكرة الممر الاستراتيجي بين المملكة العربية السعودية والدقم بوصفها نموذجًا عمليًا لإعادة التموضع الاقتصادي لعُمان؛ فالمسألة لا تتعلق بمجرد إنشاء رابط بري؛ بل ببناء ممر متعدد الاستخدامات يخدم التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بها ويمنح الدقم دورًا يتجاوز الميناء التقليدي إلى منصة اقتصادية متكاملة.

وتنبع أهمية هذا الطرح من التحولات الجيوسياسية المحيطة ولا سيَّما المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، بما يفرض البحث عن مسارات أكثر أمانًا ومرونة، هنا تكتسب الدقم أهمية خاصة ليس فقط لوقوعها خارج المضيق؛ بل لقدرتها على دعم التنويع وتقليل التعرض للمخاطر وتوفير منفذ أكثر استقرارًا. كما تتعزز جدوى هذا الممر لكونه يستند إلى قاعدة قائمة بالفعل في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بما فيها البنية الأساسية والميناء والمرافق اللوجستية والإطار المؤسسي؛ وهو ما يرفع من فرص الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ.

غير أن نجاح هذا المشروع لا ينبغي أن يُقاس فقط بحركة العبور؛ بل بقدرته على توليد قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، من خلال تحفيز الصناعات والخدمات وسلاسل التوريد والمشروعات المحلية وفرص العمل؛ فالأهمية الحقيقية لأي ممر استراتيجي لا تكمن في تسريع النقل وحده؛ بل في توسيع الأثر الاقتصادي الذي يخلقه داخل البلاد.

إنَّ المقومات موجودة واللحظة مواتية، وما تحتاجه هذه المرحلة هو جهدٌ منظمٌ تقوده الحكومة لصياغة وعرض القيمة الاستراتيجية لعُمان على العالم، ليس باعتبارها خطةً بديلةً، بل بوصفها عنصرًا لا غنى عنه في البنية الاقتصادية العالمية، ولن يحدث ذلك دون زيادة الإنفاق على وضع عُمان في رادارات المستثمرين، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار، ودراسة الأسواق الواعدة والشركاء المُحتملين، وتحديد الفجوات والسلع والخدمات التي ينبغي توطينها.

إنَّ تحفيز الاقتصاد ليكون قادرًا على توليد فرص عمل مجزية وتنشيط وتفعيل المناطق الاقتصادية والحرة والصناعية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، لن يتحقق بسياسات مالية متحفظة وإنفاق متواضع في المجالات الضرورية لرفع درجة الجاهزية والتشبيك المدروس لمختلف المتغيرات والأسواق والفرص.

وهنا نؤكد على أن تحقيق تحولات نوعية عميقة للاقتصاد العُماني لن يتحقق بالتمني والأمر يستوجب توفير الموازنات الضرورية للانطلاقة وتسخير العلم والمعرفة للخروج بمقاربات جديدة وسردية يمكنها اقناع العالم بأن سلطنة عُمان هي الخيار الأول ولأكثر موثوقية في المنطقة.

وفي السياق ذاته، وفي خضمِّ تسارُع الأحداث والمتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، نذكر أننا نحتاج -أكثر من أي وقت مضى- إلى إصلاح وضع القطاع الخاص والشركات العائلية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي تعاني من تحديات عميقة متعددة الأبعاد. فبدونها تضل الحكومة وشركاتها تواصل سياساتها المستمرة من 5 عقود وتبقي التحولات النوعية على مختلف الأصعدة لتوليد فرص العمل والانخراط الفعَّال في سلاسل التوريد العالمية وتسخير الموارد محدودة.

ومن جانب آخر، يحتاج التموضع الاقتصادي إلى العمل على تحوُّل نوعي في إدارة وتعزيز الصورة الذهنية لسلطنة عُمان لدى مختلف الأطراف الداخلية والخارجية، والارتقاء بدور الإعلام التقليدي من فقط "علم وخبر" إلى إعلام يصنع الخبر، ويضفي عليه الإبهار المطلوب ويحشد الهمم والطاقات في الاتجاه المطلوب.

الأكثر قراءة

z