النفط والثروة وحدهما لا يكفيان… والمعرفة هي الفارق الحقيقي

 

 

 

في عالم اليوم لم تعد قوة الدول تُقاس بثرواتها المادية والطبيعية.. وإنما بالمعرفة

هيمنة المعرفة على الاقتصاد باتت واقعًا واضحًا تؤكده الأرقام

تطوير البرمجيات وتحليل البيانات وابتكار الحلول تقوم على العقل البشري وامتلاك المعرفة

أكثر من 80% من قيمة الشركات الكبرى عالميًا تتشكل من أصول غير ملموسة

2.3 % المتوسط العالمي للإنفاق على البحث العلمي مقابل 0.8% فقط على المستوى العربي

المعرفة وسيلة للحفاظ على الاستقلال الاقتصادي وتجنب التقلبات الحادة

0.39 % نسبة إنفاق سلطنة عُمان على البحث العلمي من إجمالي الناتج المحلي

 

د. يوسف بن حمد البلوشي

yousufh@omaninvestgateway.com

 

في خضمِّ تسارُع الأحداث والمتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية لم تعد المعرفة ترفًا؛ بل أصبحت شرطًا أساسيًا لمَنعة وسيادة أي دولة وأي اقتصاد يريد أن يستمر وينمو؛ فالدول التي تُنتج المعرفة تمتلك قرارها وتحدد موقعها في العالم وتبني اقتصادًا أكثر مرونة واستدامة، أمَّا الدول التي تكتفي باستهلاكها فستظل خارج دائرة التأثير مهما امتلكت من موارد.. وفي عالم يُعاد تشكيله بسرعة لن يكون السؤال من يملك الثروات؛ بل من يملك القدرة على تحويل المعرفة إلى قوة؟!

وفي عالم اليوم "القرن الحادي والعشرين" لم تعد قوة الدول تُقاس بما تمتلكه من نفط أو ذهب أو موارد طبيعية؛ بل بما تمتلكه من معرفة، وقدرتها على تحويل هذه المعرفة إلى نتائج اقتصادية ملموسة. ولم يعد السؤال: كم تملك من ثروات؟ بل أصبح: ماذا تستطيع أن تنتج بعقولك؟ وكيف تستخدم المعرفة لصناعة اقتصاد قوي وقادر على المنافسة؟ هذا التحول لم يكن مجرد تغير في الأدوات؛ بل تغيير في طبيعة القوة نفسها؛ حيث أصبحت المعرفة هي العامل الحاسم في تحديد موقع الدول في الاقتصاد العالمي.

لقد باتت هيمنة المعرفة على الاقتصاد واقعًا واضحًا تؤكده الأرقام، فلم تعد مجرد توجهٍ مستقبليٍّ أو خيار تنموي يمكن تأجيله؛ فاليوم تتجاوز القيمة السوقية لشركات مثل "مايكروسوفت" و"أبل" 4 تريليونات دولار أمريكي لكل شركة، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول صناعية كبرى مثل فرنسا وإيطاليا، وهذه الأرقام لا تعكس فقط حجم هذه الشركات؛ بل تعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الاقتصاد العالمي؛ حيث لم تعد القيمة تُخلق في المصانع أو من خلال الموارد الطبيعية بل في العقول التي تطور البرمجيات وتحلل البيانات وتبتكر الحلول.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من قيمة الشركات الكبرى عالميًا تأتي اليوم من أصول غير ملموسة، مثل المعرفة والتكنولوجيا والعلامات التجارية، بعد أن كانت هذه النسبة أقل من 20% قبل بضعة عقود، وهذا التحول يوضح أن الاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد على ما تملكه الدول؛ بل على ما تستطيع إنتاجه من معرفة وتطويره باستمرار.

وعندما ننظر إلى الإنفاق على البحث والتطوير تتضح الصورة بشكل أكثر دقة؛ فدول مثل كوريا الجنوبية تنفق حوالي 4.9% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، بينما ينفق كيان الاحتلال الإسرائيلي نحو 5.4%، وتنفق الولايات المتحدة حوالي 3.4%، في حين يتراوح إنفاق الصين بين 2.4% و2.6%. أما المتوسط العالمي فيبلغ نحو 2.3%، في المقابل لا يتجاوز متوسط الإنفاق في العالم العربي 0.8%؛ بل ينخفض في بعض الدول إلى أقل من 0.3%.

هذه الأرقام لا تعكس فقط فجوة في الإنفاق؛ بل تكشف عن اختلاف عميق في طريقة التفكير؛ فالدول المتقدمة تنظر إلى البحث والتطوير باعتباره استثمارًا أساسيًا في المستقبل وليس بندًا يمكن تقليصه عند أول ضغط مالي، على العكس فإن هذه الدول تزيد من استثماراتها في المعرفة في أوقات الأزمات؛ لأنها تدرك أن النمو المستقبلي يعتمد عليها.

ومن هنا تظهر إشكالية مُهمة في العديد من الدول النامية؛ حيث يتم التعامل مع البحث العلمي كقطاع يمكن إخضاعه لسياسات التقشُّف، لكن التقشُّف في هذا المجال لا يؤدي إلى تحسين الوضع المالي على المدى الطويل؛ بل يؤدي إلى إضعاف قدرة الاقتصاد على النمو؛ فكل ريال يتم توفيره اليوم عبر تقليص الإنفاق على البحث والتطوير قد يقابله فقدان فرص اقتصادية أكبر في المستقبل، وبمعنى آخر فإن التقشُّف في المعرفة لا يعني فقط خفض الإنفاق؛ بل يعني تأجيل المستقبل وتقليل القدرة على المنافسة.

ولا تتوقف هذه الفجوة عند مستوى الإنفاق، وإنما تظهر بشكل أوضح في النتائج؛ ففي عام 2022 سجلت الصين نحو 1.58 مليون طلب براءة اختراع من أصل أكثر من 3.4 مليون طلب عالمي، بينما تسجل الولايات المتحدة مئات الآلاف من الطلبات سنويًا، في المقابل لم تتجاوز مساهمة الدول العربية مجتمعة 0.5% من هذا الرقم، وهذا يعكس ضعف القدرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وتقنيات ويشير إلى أن المعرفة في كثير من الحالات لا تزال منفصلة عن النشاط الاقتصادي.

وعند الانتقال إلى التعليم، تتضح الصورة بشكل أكثر عمقًا؛ فالدول العربية تنفق ما بين 15% إلى 20% من موازناتها العامة على التعليم وهي نسبة قريبة من المعدلات العالمية؛ بل تفوقها في بعض الحالات. ومع ذلك لا تنعكس هذه الأرقام على جودة المخرجات التعليمية أو على مستوى المهارات. وهذا يشير إلى أن المشكلة ليست في حجم الموارد، بل في كيفية استخدامها.

وتظهر هذه المفارقة بشكل واضح عند المقارنة بين دول مختلفة؛ فاليابان تنفق حوالي 12200 دولار سنويًا على كل طالب، ومع ذلك تحقق نتائج تعليمية متقدمة عالميًا بفضل تركيزها على جودة التعليم وتأهيل المعلمين وربط المناهج بمهارات التفكير والتحليل. في المقابل يصل الإنفاق السنوي على الطالب في المملكة العربية السعودية إلى ما بين 10000 و13000 دولار في بعض المراحل وهي مستويات قريبة من الإنفاق الياباني، إلّا أن مخرجات التعليم لا تزال تواجه تحديات في جودة المهارات، وهذا ما يُبيِّن أن الفارق لا يكمن في حجم الإنفاق؛ بل في كفاءة توظيفه.

هذه النتيجة ليست جديدة في الفكر الاقتصادي؛ بل تم التأكيد عليها منذ زمن طويل، فقد أوضح مؤسس علم الاقتصاد آدم سميث أن التعليم يُمثِّل استثمارًا في الإنسان، وأن المهارات التي يكتسبها الأفراد تُشكِّل جزءًا من ثروة المجتمع، ويُبيِّن الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو أن التعليم يُسهم في تحسين مستوى المعيشة وقدرة المجتمعات على إدارة مواردها، فيما أكد جون ستيوارت ميل أن التعليم يعزز كفاءة الاقتصاد من خلال تحسين الإنتاج وتقليل الهدر، أما ألفريد مارشال فقد ركز على أن الإنسان المتعلم هو العنصر الأهم في تحقيق النمو الاقتصادي وأن القدرة على التفكير والابتكار هي التي تخلق الفرص الاقتصادية.

وبمعنى مُبسَّط فإن هذه الأفكار جميعها تؤكد أن المعرفة ليست عنصرًا إضافيًا في الاقتصاد؛ بل هي الأساس الذي يقوم عليه، وهذا ما تؤكده البيانات الحديثة؛ حيث تشير التقديرات إلى أن زيادة مهارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بنسبة 10% يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.5%؛ وهذا يعني أن الاستثمار في المعرفة لا ينعكس فقط على الفرد؛ بل على الاقتصاد ككل.

ومع تسارع التغيُّرات العالمية لم تعد المعرفة مجرد وسيلة للنمو؛ بل أصبحت وسيلة للحفاظ على الاستقلال الاقتصادي؛ فالدول التي لا تمتلك تقنياتها تعتمد على غيرها وتبقى عرضة للتقلبات والتغيرات العالمية، ويظهر ذلك بوضوح في الاقتصاد الرقمي؛ حيث يُتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030؛ حيث إن الدول التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا ستكون هي الأكثر قدرة على الاستفادة من هذه القيمة، بينما ستظل الدول الأخرى مستهلكة لها.

وفي هذا السياق تسعى سلطنة عُمان إلى التحول التدريجي نحو اقتصاد قائم على المعرفة، الأمر الذي يستوجب تسريع الخطى وزيادة الإنفاق والاهتمام بهذا الجانب؛ وتشير الإحصاءات في هذا الشأن إلى ارتفاع الإنفاق على البحث والتطوير من نحو 92 مليون ريال عُماني في عام 2020 إلى حوالي 160 مليون ريال في عام 2025 لتصل نسبته إلى نحو 0.39% من الناتج المحلي الإجمالي، ورغم أن هذه النسبة لا تزال أقل من المستويات العالمية؛ إلّا أنها تعكس بداية تحول مهم خاصة مع ارتفاع مساهمة القطاع الخاص إلى نحو 46% من الإنفاق على الابتكار، وهو ما يشير إلى بداية انتقال المعرفة من كونها نشاطًا حكوميًا إلى محرك اقتصادي فعلي.

وختامًا نقول.. إنَّ الضامن لمَنَعَةِ عُمان وتعزيز قدراتها على مواجهة الأحداث المتسارعة وتوظيف مفرداتها المكانية والحضارية والطبيعية -من أجل التعامل مع استحقاقات جديدة بمقاربات جديدة، تُشبِّك وتربِط الموارد والفرص ومكامن القوة المتاحة- لن يتأتّى دون المزيد من الاهتمام بالمعرفة والبحث والتطوير والابتكار، والأهم من ذلك وجود الشغف الحقيقي لدى قياداتنا المؤسسية لتحقيق الأفضل للجميع.

الأكثر قراءة

z