فاطمة الحارثي
في الغرفة المجاورة للمجلس، كان يُرى من النافذة ليل حالك السواد، والجو تذروه طبقات من الدخان، ورائحة ثقيلة تخنق الصدر وتُشعل الخوف. وفي وسط الغرفة يقبع مرجل يلتهم حُمرة النار، لا يُسمع له همس، وهسيس غليانه الأسود المتصاعد، كأنه قلب مخلوق قديم يئن، يعلو كلما نثروا عليه مسحوقهن الأحمر. حول المرجل ظلال تتمايل برشاقة، وشعر منسدل بخفة، يُبهر كل من وقعت عينه عليها، جمال ساحر يُسلب الألباب، وملامح منحوتة كالجبال الشامخة.
- هل أنتِ خرقاء؟ انتبهي، قبل أن يتم تحويلك إلى رماد كاسمك المشؤوم.
- آه، لم أقصد ذلك، أرجوكِ يا آريل، سامحيني.
- كدتِ أن تحرقيني، وتلفتي انتباه ضيوف الغرفة المجاورة.
- سسسس، رماد، آريل، اصمتن -أورورا تزجرهن- ثمة قادم.
سكن المكان، إلا من الرائحة الكريهة المنبثقة من جُبّ المرجل وخوفهن. بعد أن ابتعدت الخطوات، نظرن إلى بعضهن، وقالت أورورا:
- هل يمكن أن ننهي هذه المهمة الأخيرة بسلام؟ لا أريد أن أُساق إلى النمرود، فالعيش في جهل فرعون أكثر ترفًا ورفاهية، لا تنسين وعيد فرعون إن أخفقنا هذه المرة.
- نعم، أتذكر، وغضب عينيه يتحدث قبل لسانه، بأنه سيقدمنا إلى النمرود إذا لم نتم هذه التعويذة ونقدمها للنمرود في آخر وجبة جلسة اليوم. (آريل، وصوتها مزيج من الخوف والغضب).
- وماذا إذا علم النمرود بالتعويذة؟ فهو ساحر وليس أحمق. (رماد، وهي ترتجف من الخوف).
- من يتحدث؟ (آريل تسخر من رماد)، اعتمدتِ على عصا الجنية لتلفتي الانتباه، فأحمدي ربك أن ضمك فرعون إلى حاشية السحرة.
- (رماد غاضبة من سخرية آريل)، نعلم أنك أكثرنا جرأة، فأنتِ بنفسك ذهبتِ إلى الساحرة أورسولا لتحققي مآربك الخبيثة، وأورورا استعانت بالأقزام ليقدموها لفرعون، و...
- (أورورا مقاطعة)، انتهت التعويذة، بسرعة، هامان قادم، لنضع المسحوق في القارورة ليتمكن من دسه في طعام النمرود، الوقت يداهمنا.
سبيل الخلاص غالبًا ما يراه البعض من خلال زوال أو إزاحة منافسيه. عندما أتى فرعون بالساحرات، واستعان بهن لإزاحة النمرود عن طريقه، بعد أن فشلت الذبابة، وطلب من قارون أن ينفق ببذخ في هذه الأمسيات كردّ لجميل إنقاذه، ووجّه أبا جهل بأن يغذي غرور النمرود ما استطاع، ودور أبي لهب إبقاء النمرود مُستفزًا بتعصبه القبلي، حتى يتسنى له دسّ السحر في طعام أعظم ساحر في التاريخ، ويخلو له التفرد في الملك. وبعد سنوات طوال، وهو يحاول دسّ تعويذة الخلاص، والفشل يلازمه، استعان بأشهر الساحرات عبر الزمان والتاريخ: رماد، وآريل، وأورورا، ومارس عليهن صنوف التهديد والوعيد، حتى أيقن أن النجاح حليفه هذه المرة.
تقدم هامان نحو الممر، وهو متجه ليُعطي التعليمات بتجهيز الوجبة الأخيرة لجلسة اليوم، ومرّت بجانبه أورورا، لامسةً يده بخفة، وهي تضع القارورة عليها دون أن تتوقف، حتى لا ينتبه حراس النمرود الواقفان عند مدخل المجلس الرئيسي. استلم هامان القارورة، والأفكار تراوده عن شره، متفكرًا: هل المسحوق يصلح ويكفي لثلاثة أشخاص؟ حاول أن يتأمل ما في القارورة، وهو خائف من أن ينتبه إليها أحد، ويُكشف الأمر وفكره.
علا صراخ النمرود فجأة أكثر من المعتاد، فارتبك الحضور رعبًا، لحظة خروج أتباعه من الشياطين من العدم في جزء من لحظة. كاد أن يُغشى على فرعون، لكنه تماسك، ونادى، وهو منبهرًا بما يراه: أورورا، تعالي إلى هنا. وانحنى بحذر نحو النمرود، وعيناه لا تفارق الشياطين والمردة، وهو يقول له: دع أورورا تمسح على رأسك لتهدئته، فهي بارعة جدًا. ثم التفت نحو هامان للحظة، قبل أن يعيد عينيه على المردة، قائلًا: لن يتناول النمرود أي طعام الآن، سوف تقوم أورورا بتهدئته. ورد هامان، وخيبة الأمل تهرب سريعًا عن محياه: وماذا عنك وعن قارون؟ وهيمن السكون بعد تلك الجملة فجأة، فالنمرود سكت بين يدي أورورا وهدأ.
إن طال...
الكل يرغب، يشتهي، يأمل، يتمنى، شرًا كان أم خيرًا؛ فحتى الظالم يدعو أن يتحقق مراده، ويصنع الأسباب، ويجتهد في سعيه، رغم أنه يُدرك يقينًا أنه مُفسد. ولن أتطرق لعلاقته مع نفسه لصياغة هذا الفعل، لكن أحدثكم عن واقع إرث إبليس الذي لم يكن سوى دعاء.
