لين

فاطمة الحارثي

لولا ترتيب الله لي لقائي مع شذى الكويتية وعاليا، ربما لكنت شخصًا آخر وذا وعي مختلف تمامًا.

******

علمني والدي ألا أتدخل في الأمور التي لا تعنيني مباشرة، أو غير الواضحة، حتى لا انجر إليها من قبل أصحابها، وأُصبح جزءًا من جريمة أو خطأ، ومع يقيني بأن كل إنسان يعيش قدره، رغم تشابك الأقدار التي ظاهرها معقد وحقيقتها أكثر تنظيما مما نعلم ونرى؛ حتى وقعت جريمة "لين" التي أكدت لي أن الصمت في حرم "لا أريد التورط" لا يُعفيك عن الشهادة، وفي نظر القانون العام تستُّر، ومثلما تجلّت لي خطورة الصمت في غير محله، تأكدتُ أن من اليسير على البعض ترجمة الصابِر المُحتسِب، بالذليل العاجِز.  

هناك أحداث لا يُمكن أن ينساها المرء، حتى بعد عقود من الزمن، كتلك اللحظات التي وضعت بصمات قوية في ذاكرتك، عبر قنوات المشاعر التي اختبرتها في ذاك الزمان ومن بينها جديد لم تألفه؛ أخلت "لين" بعهد صداقتنا، واتفاقنا على الوفاء والصدق، كان ذلك في ليلة قمراء، في منطقة الرميلة بإحدى الدول الخليجية، كان الوقت بعد منتصف الليل، تحديدًا بعد الساعة الثانية ليلًا بدقائق، عندما شعرتُ بأصوات غريبة عند مدخل منزلي، القائم على أرض مشتركة مع فلل أخرى، وكأنها تصدر من الباب الجانبي؛ حيث مدخل سيارة والدي. لم أكن أعلم بوجود والدي في المنزل تلك الليلة، إلّا لحظة اقتحامه لغرفتي وأنا أتقصَّى من نافذة الغرفة مصدر الصوت. كانت "لين" على علم بالكثير من أمورنا الشخصية في المنزل، عني وإخوتي ووالدي، فهي جارتي التي تسكن في الفيلا المُستقلة مباشرة خلف منزلي، وزميلتي في الفصل، وشريكتي في الطاولة المدرسية، ورغم أنها من جنسية عربية لكن التوافق بيننا كان سلسًا، والوقت الوحيد الذي كُنَّا نفترق فيه من الصباح الباكر وحتى الثانية ظهرًا، هو وقت العودة إلى المنازل، ساعة الفسحة. وعلى عاداتنا، لم يكن يسمح لي والدي بالزيارات المنزلية لزميلاتي أو رفيقات الدراسة نهائيًا، كان بالكاد يسمح لي أن ادعوهن لمنزلنا، مما أدى بي أن أتجنب تلبية الدعوات منهن، لأنني أعلم بأني لا أستطيع أن أبادلها. حتى جاء ظهر ذلك اليوم، كان في 1988، اتصلت "لين" تطلبُ مني أن أُسرع إليها فهي وحدها وخائفة، وأهلها في الخارج لقضاء بعض الحوائج والمُشتريات، وادّعت أنها تسمع صوتًا غريبًا خلف المنزل.  كانت عمتي معنا في المنزل في زيارةٍ، وسمعت حوار الهاتف، وقالت لي بعد أن نظرنا من نوافذ غرفة أبي وإخوتي أنه لا أحد في ساحة منزلها في الخارج، اذهبي، تحركتُ مُسرعةً نحو منزلها، لم يُعلمني أحد الخوف منذ طفولتي، وليس من عادتي أن أهوِّل الأمور أو أقرأها من منظور كارثي أو سلبي. قد يرى البعض أنها براءة والبعض الآخر جهلاً.

وجدتُ باب المنزل الرئيسي مفتوحًا، دخلتُ وأنا حذرة ومتعجبة، ولكن الباب الداخلي كان موصدًا، قمتُ بالضرب عليه انبه "لين" أن تفتح لي، لم أتلقَ في بداية الأمر أي رد، ثم توجهت أنظرُ إلى جانبيْ البيت ولم أرَ أحدًا، فبدأتُ أطرق النافذة، فالمنزل من طابقٍ واحدٍ وبالتالي يسهل الوصول إلى النوافذ والخروج منها. مررتُ على أكثر من نافذة ولم أتلقَ ردًا. اتجهتُ إلى وسط باحة البيت ونظرت نحو نافذة بيتنا المقابل للمنزل ووجدت عمتي تتابع، فأشارت لي أن أرجع إلى المنزل، وأنا على وشك المغادرة فتحت "لين" الباب، تملكني شعور غريب، فوجهها رغم حمرته الشديدة إلّا أنها كانت تبتسم ولم أرَ أو أشعر بخوفها، سألتها من موقعي قرب باب المخرج إن كانت بخير، فأجابت: "نعم أنا بخير"، فأعطيتها ظهري متجهةً نحو باب الخروج لأعود إلى المنزل، فنادت عليّ لأعود وأدخل المنزل، فقلتُ لها أنتِ بخير ليس ثمّة داعٍ، وكان شعور الحيرة ممزوجًا ببعض الغضب، وفكرة "مقلب" تدور في رأسي، رفضتُ وخطوتُ نحو باب الخروج، بينما أسرعتْ هي نحو وجرتني من يدي إلى داخل المنزل، وبمجرد ولوجي للباب شممتُ رائحة كبريتية قوية مُقزِّزة، نظرتُ إلى وجهها بقوة، لأقرأ ما يحدث، قلتُ لها من أين صدر الصوت قالت من.. وأشارت إلى ممر فرعي يقود إلى غرف النوم، كنتُ واقفة عند منتصف المجلس، وباب المنزل لم يكن قد أُغلق تمامًا، ولمحتُ ظلًا سريعًا مرَّ خارجًا من الباب. لم أستطع أن أتحرى عنه فقد كانت "لين" مُمسكة بيدي ولم تسمح لي أن ألتفت، فقلتُ لها لنذهب إلى مصدر الصوت الذي سمعته فقالت "لا داعي"، وأجلستني على الأريكة، وقالت: لحظة سأعود إليك بعد لحظات. ولم تمضِ دقائق حتى رنَّ جرس الهاتف، بقيتُ مكاني، ورأسي يحاول استيعاب الأمور، سكتَ الهاتف ثم عاود الرنين، وأتى صوت "لين" من إحدى الغرف وهي تقول أجيبي على الهاتف، لم استجب لطلبها، ووقفتُ أريد أن أغادر، وأنا متجهة للخروج لمحتها واقفة عند الممر الجانبي، ارتبكت وقالت: لحظة أرد على الهاتف. بقيتْ واقفةً، وأخذتْ سماعة الهاتف، "ثواني"، وقالت لي خذي الهاتف هناك من يريد التحدث معك. في تلك اللحظة تجمَّدت جميع المشاعر، وتحوَّلت الحيرة التي كانت على وجهي إلى فراغ تام... عندما لم تتلقَ "لين" استجابةً مني، وضعت الهاتف على السماعة وسمعت صوت رجل أجش يقول "فاطمة كلميني، رُدِّي علي" كان الصوت مثقلًا بالتهديد، وما أن خطوت نحو الخارج قال لي:" لا تطلعي". في تلك اللحظة أجريتُ مسحًا شاملًا بعينيّ في المكان، أتقصى عن كاميرا، الصوت يخرج من الهاتف وهو يُخاطب سلوكي، وانا داخل المنزل، أكملتُ طريقي للخارج، والصوت يقول -ستندمين- لأصادف والدة لين ووالدها وهم يدخلون المنزل، بسرعة أغلقت لين الهاتف وأخذت شالًا وغطَّت على ثوب نومها الشفاف...

يُتبع...

بعثرة...

دائمًا ما يصف الظالم دفاعك عن نفسك أو رد فعلك بالقاسي، متجاهلًا أنه نتاج فعل السوء الذي أتى به، وعذر حُسن النية التي أردتكَ صريعَ الظلم.

الأكثر قراءة

z