بتر المعاني


فاطمة الحارثي

 

  • ماذا؟ هذه جريمة، كيف يضرب الولد بهذه الوحشية؟! صمت المستمع- أنت تمزح! ماذا تقصد بأنه تحدى سلطته؟! الولد في العناية وقد يُصاب بالإعاقة....
  • بعد أن أغلق عبدالله الهاتف سألته، ماذا بك؟
  • تخيلي مدرس كاد أن يودي بحياة ولد ضرباً، بعذر أنه تحدى سلطته، لأنه أمر الطلاب بالهدوء، وطرح الولد سؤالا أثناء الشرح! في أي زمن نحن؟ المدرس يضرب باسم تحدي السلطة؟ الأب يقمع ابنه باسم تحدي السلطة، دول تحارب دول باسم إثبات السلطة والهيمنة، هل يفهمون معنى السلطة أساسا؟ لا والله، أقسم أن عذرهم أقبح من جرائمهم.

في بضع كلمات قلب حديث عبدالله السلطة إلى "تقديس"، نعم، أقول مفردة "تقديس"، لأن هذا ما نراه من خلف السلطة الهشة، لهفة بعضهم ليصبحوا "مقدسين" بعد أن تسلموا مسؤولية وأمانة السلطة، وانتهاك الغاية السامية والحقيقية للمسؤولية والرعاية والقيادة، ليمارسوا على رعاياهم ومن هم تحت مسؤوليتهم صنوف القمع والتهديد باسم منصب الكرسي، وليس مطلوب منهم الطاعة بل الخنوع التام وتحمل تبعات أية أخطاء سواء حدثت بسبب سوء التوجيه أو سوء التنفيذ، وقبول التفرد بالرأي "ترون ما أراه وتفعلون ما أقول" وغير ذلك يُعد تحديا وجب تقويمه. هذه الوقائع وغيرها الكثير، التي هُزمت فيها الأنظمة والقيم والإنسانية باسم "تحدي السلطة"، في خطاب تبريري يعاد فيه تأطير الفعل الطبيعي كالاعتراض، أو النقاش أو التساؤل أو الاستفسار، أو الدفاع عن النفس باعتباره تهديدًا للسطلة/ للنظام، بهدف نزع شرعيته وتحويله إلى ذنب يستحق العقاب.

إن آلية قلب المعنى حيث يتم نقل الفعل من كونه "حقا" إلى كونه "تمردا"، ومن كونه "تعبيرا" إلى كونه "تجاوزا"، لقلب موازين القيم ليصبح الصمت فضيلة والصوت رذيلة. بإقصاء الاحترام واستبداله بالخوف كجزء من صفات السلطة، هشاشه داخلية واضحة، واستبدال الكفاءة والعدالة كصفة أساسية للسلطة، بالقمع واتهام الآخرين بتحديها والتمرد. ولا يختلف ذلك في الحروب أو العلاقات الشخصية، حيث التجرد من الإنسانية بوصم الطرف الآخر بالعاق أو السام أو المفسد، مما يسهّل تبرير إيذائه دون الشعور بالذنب أو المحاسبة.

مُنحت السلطة كتكليف في إطار ممنهج ونظام يهدف إلى تحقيق غايات سامية، وليس المقصود منها الحفاظ على السيطرة على حساب العدالة، فلا يجب الخلط بين النظام والسيطرة؛ وإسكات الضحية مرتين مرة عبر الظلم نفسه ومرة عبر اتهامه بأنه سبب الظلم، لأنه تحدى السلطة. بمعنى يجب عدم السماح بشرعنة العنف الأخلاقي والإداري، وإلباسه ثوب التربية أو التقويم أو الانضباط، فيُباح الإيذاء كواجب بدل أن يُعد انحرافا في السلوك. فالذي يعجز عن فهم ماهية المسؤولية وواجباتها، وإدارة الاختلاف، وقيادة الناس، يلجأ إلى وصم أي رأي مخالف بأنه "تحد"، ليحول الحوار إلى مخالفة تستوجب العقوبة. والأكثر سخرية عند دمج الموضوع تحت شعار "حفظ هيبة المؤسسة".

يُقال "ما لا يقتلك يقويك"، ربما جسديا، لكن ماذا عن المشاعر وموتها! خرج صوتا عميقا مملوءً بالألم من خلفي، "ربي يحرق قلب أولاده مثل ما حرق قلوبنا"، التفت إلى الصوت بقلب منتفض، وقشعريرة تتسرب كتيار بارد على الجسد "توقفي لا تدعي عليهم، لا ذنب لهم"، نظروا إلي بأعينهم الحمراء، "وما ذنبنا نحن، لم يظلم، ولم يؤذِ أحدًا، وأتمت أختهم الصغرى قائلة: أخذهم الكِبر وربنا أكبر، يعبدون أصواتهم وجهلهم، اللهم آمين". أذهلني الموقف، وأخذ كياني كاملة، فأنا أم ولا أتقبل دعاء أحدا على أبنائي، ما بال الدعاء على أطفال لا ذنب لهم إلا فعل آبائهم، وكيف أضبط هذا السلوك، دعاء النقاء "على أحد" وليس "لهم"، احتاج الموقف احتواء كامل وتهدئة قبل حوار طويل.  

إن المبررات التي لا برهان عليها كثيرة، اتخذوها أعذارا لتقديس جهلهم لأذية الغير، وطمس الآخرين ليبقوا هم في وهم استحقاق متلازمة السلطة "المقدسة"، ولا جُرما حقيقيا يستحق اللاإنسانية في فوضى معتقداتهم وهوسهم المفرط.

وإن طال...

أصحاب متلازمة تقديس السلطة، لا ينسون حقوقهم ويزيدون عليها، عكس واجباتهم التي لا يعلمون عنها شيء؛ آفات على أرض أصالة العرف والقانون والتشريعات؛ مؤمنة أنا، أن لن يردعهم سوى اتساق ووحدة عدالة قوانيننا والتشريعات ومنهج التنفيذ، في جميع المؤسسات والشركات، مع حذف وإزالة أية أنظمة داخلية لا تتوافق مع سنن العدالة الإنسانية العمانية المعتمدة محليا ودوليا.

الأكثر قراءة

z