في عالم يزداد اضطرابًا.. كيف تُعيد الصين تشكيل انفتاحها؟

 

 

 

ليانغ سوو لي **

خلال السنوات الأخيرة، برز في بعض التحليلات الدولية انطباع مفاده أن الصين- مع طرحها لما يُعرف بـ"النمط التنموي الجديد"- تميل إلى قدر من الانكفاء أو تقليص انفتاحها على العالم.

ويستند هذا الحُكم غالبًا إلى قراءة حرفية لفكرة إعطاء الأولوية للدورة الاقتصادية الداخلية، دون الانتباه إلى المعنى الكامل لهذا الطرح؛ فالمقصود بهذا النمط ليس إحلال "الداخل" محل "الخارج"، بل بناء نموذج يقوم على تعزيز دور السوق المحلية كركيزة أساسية، مع إبقاء التفاعل بين السوقين المحلية والدولية في حالة ترابط وتكامل متبادل.

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. وخلال عقود سابقة، وفّرت العولمة بيئة مستقرة نسبيًا سمحت للطلب الخارجي بأن يكون مُحرِّكًا مهمًا للنمو. أما اليوم، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتكرار اضطرابات سلاسل الإمداد، وعودة النزعات الحمائية، فقد أصبحت البيئة الخارجية أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ.

في مثل هذا السياق، لم يعد الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية خيارًا آمنًا. ومن هنا، يأتي هذا التحول بوصفه استجابة عملية لهذه المتغيرات؛ حيث تسعى الصين إلى إدخال قدر أكبر من "الاستقرار طويل الأمد" في نموذج نموها، من خلال تقوية الأساس الداخلي، بما يشبه إضافة "آلية استقرار" تضمن استمرارية التنمية، دون أن يعني ذلك تقليص الانفتاح.

في هذا الإطار، لا يظهر التركيز على السوق الداخلية كبديل عن الانفتاح، بل كشرط لفعاليته؛ فاقتصادٌ يتمتع بسوق واسعة، ومنظومة صناعية متكاملة، وطلب استهلاكي في طور التوسع، يصبحُ أكثر قدرةً على جذب الموارد العالمية. وكلما ازدادت متانة هذا الأساس الداخلي، ازدادت القدرة على الانخراط في الاقتصاد العالمي بثقة أكبر.

ومن هنا يتضح أن ما يجري ليس تقليصًا للانفتاح؛ بل إعادة تعريف له. فالصين لا تقيس انفتاحها اليوم بحجم التجارة وتدفقات الاستثمار فحسب، وإنما بمدى جودة الانفتاح: هل يسهم في تحسين هيكل الاقتصاد؟ هل يعزز الابتكار؟ هل يرفع مستوى الاندماج مع القواعد الاقتصادية الدولية؟ هذه الأسئلة باتت أكثر حضورًا من مجرد الأرقام أو النمو السريع.

وتتجلى ملامح هذا التحول في مجالات متعددة: من الارتقاء بالتصنيع نحو مستويات أعلى، إلى توسيع الانفتاح في قطاع الخدمات؛ من تحسين بيئة الأعمال إلى الدفع نحو انفتاح قائم على القواعد. تتشكل تدريجيًا صورة مختلفة: الانفتاح مستمر، ولكنه أكثر عقلانية وأطول نفسًا. النموذج القائم على الكلفة المنخفضة لم يعد كافيًا، ويجري استبداله بمسار أكثر استدامة وتوازنًا.

ولا يقتصر هذا التحول على السياسات الاقتصادية، بل يمتد إلى منطق الحوكمة نفسه. فمع ترسيخ توجه يركز على النتائج طويلة الأمد بدلًا من المكاسب السريعة، بدأت الحكومات المحلية تعيد ترتيب أولوياتها: من السعي وراء التوسع السريع إلى التركيز على جودة التنمية، وإدارة المخاطر، والعوائد المستدامة. وينعكس ذلك مباشرة على طريقة إدارة الانفتاح، بحيث لا يكون مجرد توسع كمي، بل أداة لدعم التحول الهيكلي، وتعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل، فضلًا عن تحويل ثماره إلى مكاسب ملموسة على مستوى معيشة الشعب.

في نهاية المطاف.. لا تبقى هذه التحولات في إطارها النظري، بل تنعكس على الحياة اليومية للناس. اقتصاد أكثر استقرارًا يعني فرص عمل أكثر أمانًا، وانفتاح أعلى جودة يعني خيارات أوسع من السلع والخدمات، ونمط تنموي أكثر توازنًا يعني ضغوطًا بيئية أقل ومستوى معيشة أكثر استدامة. هذه هي المؤشرات الحقيقية لنجاح أي نموذج تنموي.

وبناءً على ذلك، فإنَّ اختزال "النمط التنموي الجديد" في فكرة الانغلاق لا يعكس الواقع بدقةٍ. ما تقوم به الصين هو إعادة ضبط طريقة انخراطها في الاقتصاد العالمي: من الاعتماد على الخارج إلى تفاعل أكثر توازنًا بين الداخل والخارج، من التركيز على السرعة إلى التركيز على الجودة، ومن السعي وراء المكاسب قصيرة الأمد إلى بناء استقرار طويل الأمد.

وفي عالمٍ يتسم بعدم اليقين، لم يعد الانفتاح مجرد خيار؛ بل تحديًا يتطلب أسسًا داخلية قوية. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الصين وكأنها تنسحب من العولمة، وإنما كأنها تُعيد بناء شروط مشاركتها فيها، على نحو يجعلها أكثر استقرارًا وفاعلية على المدى الطويل.

** إعلامية صينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z